وأفقت وقد أشرقت!

كان غروباً عليلاً حين ذهبت لإحدى تلك التجمعات التي كانت ولا تزال تجذبني وتجعلني متفائلاً بقادمٍ أفضل، وربما كنت مغالياً حين كنت مصراً على امتناعي عن تناول ما يتغذى عليه الناس، فكنت أمسي وأصبح دابة تأكل من الأرض!

ووصلت حينها مبكراً عما كنت أظنه، لأجدني جالساً في مرتع للمغفلين وصوب عيني منبر الشياطين، وأدركت بعد حين أن هؤلاء يجدون ضالتهم في الآخرين وهُم في وَهم!

واستهل حديثه قائلاً أن النجاح مال، والمال كل شيء ويكأنه يصوغ ما يقول! والأمر صراط لا يكاد يعبره الناس وإنما ينقلون بفعل فاعل، ومن يعبره يسقط! ولا يصدق أحد ذلك، إذ إن الإغراء في أوجه!

ولوهلة شعرت أنني لا أفقه من أمري شيئاً، إذ يوهمني وسيط بلكنة لا تعبر عما يقوله من منبره وجعلني ذلك حانقاً على تلك الجموع المهللة لما يقال وإن كان ما يصلهم مُحرَّف! حرفياً!

“أليس منكم رجل رشيد”؟!

وبالكاد جاوزنا دقائق قبل أن نشعر بالغثيان، ووجدنا ضالتنا في السخرية مما يقال، حتى وصل الأمر للحرس الذين وجدو فينا تعكيراً لصفو المكان وبادروا بتنبيهنا لكيلاً ينتبه المغفلون!

وحينها أدركت أنني بالكاد أحفظ نفسي من الانجراف بدلاً من الاستمتاع بما حسبته يوماً مشهوداً!

وحدث ما كان منتظراً تلك الليلة، وكانت قنينة مشؤومة تلك التي فضلتها على الماء! وأعقب ذلك جدولاً يعج بالألم، وأبدلني ألماً بقدر مكابرتي عن الاعتراف به وربما أقسى!

وما كانت الحلول بتلك البساطة، إذ كادت تفنيني بضع أقراص وإبرة! وكنت أرمي نفسي بالتهاون، وأدعوني بالسفيه والمدعي حتى ما كدت أرقد!

ولا يكاد يتسلل غفو إلا وفزعت لما بليت به! وأقول علَّ وعسى! وأملأ قراباً فارغة فتفرغ وأوعية عليلة فتلفظ!

ووصلت حقاً لما هو أسوأ، في صراع مع فراشي وما أنجدني ماء ولا هواء! ووسعتني رحمة الله حين أصبحت خاوياً ومنهك كما لم أكن من قبل!

وفزعت حين علمت أنني في طريقي للمكوث حيناً! كما مكث عمرو!

وقلت كلا! وعدت لتناول ما لم أعتد عليه، وزادني ذلك حسرة!

وعدت أدراجي، ولم أهوِّل ولا أهوِّن! ولكنه الجهل…

ومضت ليلة كما قضي لها، وكان صباحاً مشمساً حين هممت بالذهاب إلام اعتدتها! وحال بيننا حكيم أرشدني بالسؤال فربما لست بخير!

ومضيت مدركاً أنما هو آتٍ لا محالة …

وقهراً قضيت دهراً، وفيما أنا كذلك إذ أتاني هاتف، إنما الموتى قبالك، وما أنت إلا منتظر! فانتظر أو احتضر!

وهرعت إلى حياتي، فلست أطلب هكذا ميتة، إذ لا يموت الرجال يائسين! ولا يتمكن الموت من الخالدين! وهل أنا إلا كذلك، وأزعم أنني إلى مصارعهم آت، إلى ميدان!، لا إلى زريبة!

وقلت علنا نتبع السحرة إن كانو هم الغالبين!

وكنت كالمهل إذ يأتون، وعلى مهل مضت سنون!

وأدركت أنني لا بد مبطون! وأنني ذاهب إلى حيث يخشون! …

وأُلهمت السكون.

..

وسألت! وكدت أظنني مجنون، إذ لحظت رؤوساً وظلالاً والناس من حولي يقولون، أهو منا أم إليهم! وبين عيني كتب الصبر!

وهيهات، فما إن بدت تتلاشى العلامات وتتداعى علي البشارات إلا فزعت كالأموات! أو كنائم في سبات! إنني أغرق… أغرق!

وفي العذاب! حسبت أن طلبي مجاب، ورأيي صواب، ولكنه كذاب من قال أن لذا السائل جواب! أو أن لطبِّه كتاب!

وقال انتظر طبيبا وكن رجلاً شديداً! ولم يكن قولاً سديداً … إذ أضحت تلك أشلاء!

وعلمت أنها غربت وكنت أغرُب معها! حتى أتى منادِ، “إنه عليل، ولا بد من الغسيل” … وكنت مغيباً!

وأفقت وقد أشرقت…!

والناس في شتات أمرهم يرون أن السلامة في الرباط، والخير كل خير ههنا وليس هناك! إنما ذلك ما يجعل الرأي يختل والصحبةُ تُمل!

هل ما يأتيك بالجديد يكون الأمل، أم البقاء وحيداً هو خير عمل … وهي تظنه واهياً وفوها نفخ! وبئست الدار التي تُسكن ولا تسكُن، وهل يدور الزمان علينا أم بيدينا!

رب مالكِ يأتيك بالمهالك، وحالكِ يحذيك في مجالك!

 ورآها تبكي، فظن أنما هو إلام يخشى منادِ، وأن ما هو آتِ آت!… وهل يأكل الذئب غنماً دانية؟!

ويحكي لأن الناس تنسى، وتكشف العيون ما تغيبه السنون … ولآنها عمياء فقد آثرت أن تراه; طيب الله ثراه! وتتداعى إليه قدراً من تلاشيه، فبُعدها يرويه وقربها يُشقيه! ومن أتعس ممن يغريه هواه، ويضلّه هُداه!

تلك ضالة أُخرى، فتنطح وتجرح وترمي فتفرح وترمى فتَسرح! إن القمم قيم، والعلم همم وليس حلم …

الصبر يا سيدي، فليس يدري ما إن كان طلباً أم أملاً … ودع الخلق للخالق، فلستَ تدري أن عَلماً قد يعلوك عِلماً ويدنوك عملاً!

وهل يأسي بأني منهم أراني بعيداً عنهم، إن الحروف حروب!

وهتف بعيداً، “يا معشر الناس، خذو المال ودعو المنال، واقتلوني لأن العُرف دساس!”

قد كان حيث كانت ويراها خلف أسراب عِظام وتراه بعضاً من عظيم وتخفى في الزحام!

إنها مظلومة، ولكنها حمقاء، وهكذا النساء …

ومن بين فكين رأيت جنوناً رشيداً ومسافراً مجيداً وقائلاً عتيداً! ووجدت أن قصوري عن فهم نفسي جعلني مضطراً لأخذ ما قيل عني اعتباراً، قراراً … وما جعلوني هو، مساراً! وعجبي!

ولست بمنأى عن الناس ولكن سهولة الحديث تجعلنا مهاويس! وتهون من مغبة إلقاء التهم، فرب كلمة جعلت من قائلها بطلاً أو بطةً!

هوناً عليها، إنها غير مدركة، وقد اعتدنا تبادل النعوت … وبرغم ذلك ! لا يجادل الناس في حقوقهم، فصاحب الصوت دائماً ظالم!

وهناك حيث تواسي حطبها كان يصطاد!

….

وتلك بداية أخرى بعد ليلة عصيبة بالكاد تجاوزتها أجساد منهكة وعُلِّقت أرواحٌ بما هو آتٍ! وهيهات، لم تزل إلا سكون، ولحن حزين يتلاشى مع بزوغ فجر كل يوم، ليس هو المنشود … وكأنما فجرُنا أسود!

“ويوماً ما سيكون على الضفة الأخرى”…

وهي تجري في موجٍ جبال، والرائي يظنه خيال، وهن في جدال، أيقوِّم ذلك مال أم جمال! كلا إنه الدلال، محال أن يصنع الناقص الكمال، أو أن يعصي اليهود المال!.

وتلك الأيام دول، فلقد رأيتني حتى ظننت أنني سأبلغ مبلغاً قبل حينه، وبين ليلة وضحاها، أضحيت الذي لطالما كنت نبذته، هوَ هوَ! ربما بصوته الذي يذكرني بمن أجدهم كذلك، غايتهم ما هم فيه، ومقت ما ليسوا ببالغيه!

إنه يرى العالم من بعيد، كما لو أنه عليه جديد، من يطمح في عمر مديد؟ أو رأي سديد؟، أنها أرض عبيد …

أتعلم يا صديقي! هناك من الحمقى في حياتك بقدر ما تريد، وليس من الحكمة أن ترافق الحمقى ولكن ما أدراك أن ذكاءك قاصر على وعي غبائك!

إنها تلفظك، ولا زلت تعتقد بفرسك الأقمر ورأيك المبهر … الصمت إذن يا سيدي!

ورأى هو أنها تقيده فقررت هي التخلي عنه لأجل ما تراه أعقل! فلتتزوج أمها!

ما من حماقة تعدل ما بين الناس! ونحن نسميها علاقات ونحن من يقرر إذا ما كانت تستحق المعاناة!

ونلقي بأجسادنا في وله ويموت أغبياء لا يهتم العالم لهم! وينتابني الفضول، وقررت أنني أحمقهم! وما أشد غبائي! ولنقل جدلاً أن الحماقة تتفاقم بالتقادم …

حبذا لو كنت قرناً أو هوناً، وهن مختلفات، والرأي فيه شتان، فإما ألمعي جبان، أو نخلة ذات أفنان! وقالت أعطني الأمان، فإن زدتني تكن إنسان، وشتان بين الناس والإنسان، فالوحيد يلدغ! والجموع تزدان!

وعند غايتك، تنسى الوسيلة! تتجاهل في باطنك ما واجهت … ومن طموحه تطويع الوسائل، لا تحقيق الغايات!، فشرف المحاولة خير من تتويج الوصول، والسفر دروس!

إنني أراني أبالغ، وخير مما أفعله الاستمرار فيما أنا به، ربما أصبحت أهتم وذاك يجعلني ما لست أرجو أن أكونه… إنها تضيق بساكنيها فلست أنا السبب!

عهدتني شيطان!

وسنين مضت، أنا بطلي!

ويسألون ربهم لماذا! وأنى لهم يسألون النعم! وأنى لهم يعربون نعمة الله وهم ينكرونها خوف النقيصة، وما هي بيد بشر!

..

.

عاش ملكاً، عاش مُعلِّماً، عاش ممدوحاً!

صبيحة السبت!

19-11-2016

Advertisements

3 أفكار على ”وأفقت وقد أشرقت!

  1. جميل جميل جميل ، سرد الاحداث دقيق وممتع
    واختيار العنوان مميز
    وأفقت وقد أشرقت ❤
    عوداً حميداً ، وصباحي مميز بمقالك

  2. طريقة مميزة في اختيار الكلمات وتفسير الأحاسيس والمشاعر ومع اني لا استسيغ عدم تركيز النص على موضوع واحد او بمعنى آخر تشعبگ كثيراً ولكن، اني لاعتبر هذه الرواية او بالأحرى القصة الرائعة لتحفة لكل عشاق القراءة واني لو وكلت بالاختيار لاخترتها الأفضل بين جميع كتاباتك . فعلاً لقد شعرت بألمك وعشتُ كل لحظة صعبة عشتها وهذا إن دلّ على شيء فهو اختيارك فوق الرائع للكلمات وترتيبك الجذاب للأحداث وإني وبكل بساطة مبهور !
    استمر، وأعنيها بكل معنى الكلمة!
    وإني لأحبذ أن أرى نصاً تكون كتَبتَهُ في جلسة واحدة، أو في سياق واحد!
    شكراً أنس….

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s