نظرية العري!

كان المشردون في العصور الوسطى يرتدون ملابساً أرقى من التي يرتديها أثرياء اليوم!
أتساءل فيما إن كانت الثقافات تؤثر في شكل الملابس بحيث تتحكم فيها، ووجدت بديهياً أن فكرة الحرية أتت بتحديد المستور الجسد ليظهر أغلبه، وأوكل الأمر للعقول لتتحكم في غرائزها! وربما تشجيعاً لإطلاق الغرائز كما حدث في اليونان حين فرضت ضريبة على العازبين! فابتداءاً من أثينا القديمة حيث كانت تقام المصارعة في المسرح الكبير كان الرجال يحتاجون إلى استعراض قوة أجسادهم فكانت ملابسهم تغطي الجزء السفلي من أجسادهم، وكانت النساء بالكاد يغطين خصرهن في ثقافة الإغريق، ولم تكن طريقة تغطية الأثداء والجسد عموماً شائعة لديهم، ربما بسبب أجواءهم المتوسطية الحارة عموماً، وربما لأن الأثداء لا تعد مفاتناً في كثير من الثقافات!.
التعري هو إظهار مالا يحسن إظهاره، ويقال عرّاه أي فضحه وتختلف درجتها بتقبل الحر!
التصميم فن، لأنه يتحكم في مصير أمم وثقافات بأكملها، فلو تعلم المصمم أن يكون عارياً لوجدت الدعارة على الأرصفة!، وفي الوقت عينه لا يمكننا ربط الحشمة بتطور الإنسان! لأن شكل الملابس يحكمها العديد من العوامل التي تبدأ وتنتهي بعوامل طبيعية! ونقول أن العري بالتعلم لأن الفطرة تقضي بحاجة الإنسان لبعض الحواجز بينه وبين مجتمعه ليتسنى له التفرقة بين تعامله مع ذاته وتعامل الآخرين معه.
ونجد المحافظين يربطون بين تطور البشر وتطور الأزياء والتعري من منظور ديني فقط، في حين أن البشرية قاطبة لم تتبع ديناً ١٠٠٪ قط، وبالتالي لا يمكننا إنكار أو تخطي حقيقة أن البشر يبحثون عن حاجاتهم وإن طبقت بما يشذ عن الفطرة! وأما ربط الأمر بالحيوانات فهي مقارنة ليست صحيحة لأن الحيوان لا يحتاج لملابس، في حين أن البشر يحتاجون وبالتالي فالمقارنة على هذا النحو تجعل الموضوع يبدو هزلياً!
ومن أقوى العوامل التي كانت وراء تمسك الناس أفراداً ومجتمعات بـظاهرة كالتعري هي درجات الحرارة الدخيلة على المجتمع الأوروبي! وحسب تقارير الأمم المتحدة فإن درجة حرارة الأرض ارتفعت في القرن العشرين فقط أكثر من كل الوقت الذي سبقه، وكردة فعل طبيعية لمجتمعات اعتادت ارتداء الكثير من قطع الملابس هي قيامها بتقليل العدد في حدود المتاح، وأما ثقافة الأزياء الفضفاضة والتي تعد متأصلة في الجزيرة العربية هي مالم يتوصل إليه الأوروبيون إلا مؤخراً.
وكذلك دخول ثقافة على أخرى وإن كانت محافظة، أظهرت الكثير من غرائز الزهو والتباهي بين الناس، فكانت العادة منذ القدم هي بالتباهي بالملبس، وبعد تساوي الكثير من الناس في الملبس تباهى الحمقى بأجسادهم لتصبح سلعاً تباع وتشترى في معارض الأزياء! وربما في ذلك الوقت الذي كان العبيد والمملوكين يملؤون بيوت الوجهاء وكانوا بالكاد يرتدون قطع الملابس، فلما تحرروا استمروا في عادة تقليل الملابس فربط كشف الجسد بالحرية! وكذلك لأن المزيد من الملابس يعني المزيد من القيود، ربما!
ومن وجهة نظر دينية، يتحدث الناس عن آية ستر العورة التي أمر الله سبحانه بها آدم وحواء وكانت تقتصر على منطقة الخصر، وحسب الروايات فإن الثدي ليس عضواً لإخراج الفضلات وبالتالي ليس مما يستقذر وهو ما تتبناه ديانات وثنية في الكثير من قبائل أفريقيا الوسطى والجنوبية، وأما الشرائع السماوية فقد أتت كلها بستر الجسد عدا الذراعين والوجه والقدمين دون الساقين على أخف الأحكام بالنسبة للإناث على اعتبارين أحدهما ديني وغرضه تكريم الجسد وآخر بشري وغرضه إخفاء المرأة التي تعتبر عاراً وفأل سوء، أما الذكور فقد اقتصرت “عوراتهم” على الحوض وأخف كما يقول المالكية!، ومع اختلاف حدة تأثير المذاهب في كل رقعة إسلامية نرى أن حديث عورة الرجل من السرة إلى الركبة قابلاً للتأويل باختلاف الرواية وكذلك بكونها في الصلاة وخارجها بنفس الدرجة أم لا!.
دائماً يجب أن نؤمن بمسألة أن كل تصرفات الإنسان المتوارثة تعد تفسيرات لحاجات روحية بالمقام الأول، لذلك فإن الغرض الأساسي من ارتداء الملابس هو البحث عن الدفء و/أو الأمان الروحي والحسي، ومن ثم الستر و/أو المظهر وكلاهما حسيين، فأزياء الحروب لم تكن موضة حتى نهاية القرن العشرين، وكانت توفر عاملي الدفء والأمان للجنود ولأنها قاسية للغاية فلم تكن مناسبة للاستعمال اليومي، وكانت بشعة وتخفي معالم الوجه الذي تتمحور حوله أغلب القضية!
وبعد الثورة الصناعية أصبحت هناك مواد جديدة لتستخدم في صناعة أزياء الحرب ومنها ما هو مضاد للنيران وآخر يمنع وصول الماء للبشرة، أصبحت الأزياء العسكرية مناسبة للاستخدام اليومي وحينها أصبح ارتداءها شائعاً، ويكفي أن ندرك أن أغلب الأزياء التي نراها اليوم تحت مسمى “كاجوال” هي نسخ معدلة من الأزياء العسكرية التي تعتمد على عنصري الدفء/الأمان والاعتمادية للاستخدام المكثف!
” الفرق بين الموضة والمظهر هي الجودة” كوكو تشانيل!
لا يجد أغلب الناس مبررات لمبالغة العلامات التجارية للملابس في أسعار منتجاتها برغم أن منتجاتها يمكن أن تتوفر بشكل أرخص بشكل لا يؤثر في الأرباح بشكل واضح! ولتبرير ذلك يجب أن نكون منصفين حينما نتحدث عن العمر المفترض لقطعة الملابس التي تباع بـ ١٠٠$ والأخرى التي تكاد تطابقها في كل شيء عدا ثمنها الذي لا يتجاوز ١٠$! نحن نتحدث هنا عن جودة القطعة فقط، وبالتالي ربما تصمد الأولى ضعف الثانية، ولكن ماذا عن الآثار الصحية؟!.
ترتبط صناعة الملابس بالهيئات الصحية بشكل مباشر، إذ لا يمكن إهمال صحة الجلد والبشرة بأي حال شأنه شأن بقية أجزاء الجسد وبالتالي فإن العلامات التجارية ملزمة بتقديم ما يثبت أن المواد التي تستخدمها لا تسبب أية أمراض جلدية وكذلك تقديم تقرير بالأعراض المحتملة للبشرة الحساسة، تماماً كالأدوية! وبالتالي فإن كل ذلك يجعل العلامات التجارية تنفق الكثير من الأموال لعمل الاختبارات وإعداد التقارير فضلاً عن تطوير مادة للبيع بكميات تجارية.
والأمر الآخر الهام هو أن ارتفاع قيمة العلامة التجارية يفرض عليها دفع مبالغ أكبر للدعاية والتسويق والتطوير، فالأمر لا يتعلق بمادة توجد في الطبيعة ويتم تشكيلها حسب الحاجة فقط! فكل العلامات التجارية تستخدم مواداً معالجة لضمان إبقاء القطع بحالة جيدة لفترة أطول، وبإمكاننا ضرب مثال بسيط بشركتين تعدان علمين في صناعة الملابس والأزياء وهما لويس فيتون في قطاع الأزياء الفاخرة وCAT في قطاع الأزياء اليومية وعالية التحمل.
لويس فيتون بدأت كشركة لصناعة حقائب السفر وتستخدم مواد عالية الجودة بدءًا من الجلود وتعتبر أكثر من ٩٠٪ من المنتجات التي تحمل اسم لويس فيتون مقلدة وذلك سبب كافٍ لقياس جودتها وذلك يرجع لسمعة العلامة منذ ما يزيد على قرن ونصف منذ ١٩٥٤، وتنتهج هذه العلامة سياسة نرجسية تماماً في التعامل مع منتجاتها، إذ تقوم بحرق كل القطع الغير مباعة بدلا من القيام بتخفيضات في الأسعار لتحافظ على خصوصيتها وحصريتها لأعلى الفئات الاجتماعية حيث تبدأ الموضة التي تعتمد على نوع من الوهم المستمر!.
في حين أن CAT بدأت كشركة للمعدات الثقيلة وأدوات الحفر منذ ١٩٢٥ م وحين أثبتت جدارتها في الصناعات الثقيلة، دخلت إلى قطاعات الأزياء عالية التحمل خصيصاً لمستخدمي أدواتها، وارتبطت الصورة الذهنية الخاصة بها بالتحمل والاعتمادية والصلابة، واستغلت ذلك كما يجب لتفتتح العديد من المتاجر في أنحاء العالم لتبيع الاعتمادية في كل قطعة من منتجاتها، حيث في هذا القطاع لا توجد صرعات إنما يتبع الناس الحاجة ويصبون اهتمامهم على العملية.
كل الشكليات التي لا تستمر يكون فيها خروج صارخ عن حاجات الإنسان الفعلية أو تكون مبهرجة بشكل يفسد شكل الجسد أو كلاهما معاً، لذلك نجد أن أكثر الموضات والصرعات سرعان ما تندثر لأنها تبدأ كطريقة للإدراك وللتعبير عن شعور ما في النفس، وفور إدراك الناس لهذا الشعور يتخلون عن تلك الموضة، لأنها لم تكن الطريقة الأمثل للتعبير، ودور المصمم ليس في اختراع شكل للجسد وإنما بإضافة لمسة عميقة على الشكل الحالي للجسد يجعل الزي مكملاً لجمال الجسد وليس دخيلاً عليه بحيث يفسده أو صارخاً فيهمشه.
منذ خلق الله آدم عليه السلام والبشر يطورون زيهم حسب ظروفهم البيئية عبر الموارد المتاحة وبسبب أن صناعة الملابس كانت عادة تبدأ من مجموعة معينة تملك بعض السلطات لتفرضها على البقية فكانت تصاميم الملابس محدودة وبالكاد تختلف الألوان، ولذلك كان التمايز محصوراً وكان العبيد والسلاطين يختلفون فيما يملكون وليس فيما يرتدون! أعني أن الاختلاف ينحصر في الخامات التي هي كذلك محدودة، ولكن السلاطين والوجهاء كانو يحصلون على الكثير من أزياءهم من خارج المملكة.
وجدلاً، لو استمر العالم في نظامه المبني على المال ولعبة المصالح بلا حروب لرأينا الكثير من أسواق الموضة، ولاستمر استنساخ أسلوب حياة أعلى الطبقات الاجتماعية ليصل للجميع كل بقدره، ولكن بانتشار الحروب وانخراط أغلب أفراد الشعوب في القتال أصبح النموذج الأساسي للأزياء هي الأزياء العسكرية.
وهكذا فإن أزياء الشعوب التقليدية تحصل على شكلها بسبب حدث أو عدة أحداث اضطرتهم لقبول هذا النوع من الثياب المبنية على أساس تلبية الحاجة المعنوية قبل الحسية والشكلية، فلو غرق العالم غداً لوجدت أزياء السباحة شائعة في شوارع مدن جافة بسبب غريزة الفضول. وكما حدث مع البنطال حين اضطر السجانون إلى منع السجناء من استخدام الأحزمة فأحب الناس بقاء سراويلهم غير محكومة.
وأما الاسكتلنديين فكانوا يعتادون ركوب الخيل وكانت التنانير القصيرة بجانب السراويل الضيقة تحتها هي أفضل طريقة مريحة للركوب مع الحفاظ على ستر الحوض وتدفئة الساقين، وأما في اليابان وآسيا حيث اضطروا بسبب كثرة عددهم وتقارب أحجامهم إلى استخدام أزياء واسعة وفضفاضة بسبب درجة الحرارة، وكذلك لسهولة استخدامها وتبادلها بين عدة أشخاص بدلاً من شراء واحدة جديدة، فبالتالي كانت عملية لهم، وأما العرب فقد كانت أزياءهم ترتبط بوشاح لحماية الرأس من الشمس الحارقة وكذلك لتغطية الوجه حين العواصف الرملية وكذلك فهي فضفاضة للسماح للهواء بالدخول للتبريد.
ونلاحظ أن أوروبا أصبحت أدفأ، في حين أن الشرق الأوسط ازدادت حرارة شمسه وبالتالي فإن زي العرب تطور ليصبح ثوباً و”شماغ” أو “كوفية” أو “عمامة” أو “وشاح”، أما في أوروبا فقد اضطروا إلى ابتكار أزياء تستطيع مواجهة درجات الحرارة المرتفعة في أشهر الصيف، مع الإبقاء على الأزياء التقليدية الشتوية!!
..
.
(شكراً للمجهول)
أنس ماهر
٥/٨/٢٠١٤
“عيدية متأخرة جداً، جداً جداً”

Advertisements

8 أفكار على ”نظرية العري!

  1. هي عيديه متأخره اها 😜 بس تستحق الإنتظار (Y) .

    إستمتعت جداً بالمقال ..
    عرفت معلومات جديده أدهشتني زي مثلا إن الكاجوال هو نسخه من الأزياء العسكريه من حيث [ الأمان ، الإستخدام المكثف ] .. O.o

    أحيك علي الفقره الخاصه بالبراندات ردت علي تساؤلات كتيره كانت شغلاني 🙂

    وطبعاً وزي اي مقال ليك خرجت بمعلومات جديده في مجالات عديده تربطهما فكره مشتركه ..

    اختيارك للعنوان مميز كالعاده 🙂
    مقال ممتع ..
    عيديه مختلفه ;))
    عيدك سعيد مع انها متأخره 😛

  2. كل عام وانت بخير والله يعيده عليكم بالخير يارب

    وبعد تساوي الكثير من الناس في الملبس تباهى الحمقى بأجسادهم لتصبح سلعاً تباع وتشترى في معارض الأزياء. )هالنقطه عجبتني اكثر شي لانها صحيحه 100%.

    فلو غرق العالم غداً لوجدت أزياء السباحة شائعة في شوارع مدن جافة بسبب غريزة الفضول. وبسبب هالغريزه تطورت واختلفت الازياء في المكان الواحد لاكثر من شكل.

    مقال جميل جدآ استمتعت فيه ححيل

    تسلم يدك ❤

  3. أعجبتني هذه العبارة “فلو غرق العالم غداً لوجدت أزياء السباحة شائعة في شوارع مدن جافة بسبب غريزة الفضول”.
    و المقال بشكل عام رائع جداً أنس ما شاء الله عليك .
    دمت بخير .

  4. ” لأن الفطرة تقضي بحاجة الإنسان لبعض الحواجز بينه وبين مجتمعه ليتسنى له التفرقة بين تعامله مع ذاته وتعامل الآخرين معه. ”

    هذه الترجمة لما كنت أفكر أثناء إجابتي على سؤالك
    وأقول أحسنت يا أنس

  5. طلبت احدى الامهات من طبيب ان يقنع طفلها بفكرة الاقلاع عن تناول الحلوى فاخبرها ان تعود له بعد فتره وحين عادت سألته مالسبب في طلبه تلك المده فكان جوابه ان يقلع هو عن تناولها قبل ان يهم باقناع طفلها..!
    آمل ان يأتي اليوم الذي استطيع التعليق فيه على تدوينتك الرائعه.. دمت انس

  6. بعيداً عن الدين
    الإحتشام رُقي .. وجمال .. وتَقَدُم
    كما حصل مع الأميره كيت ميدلتون حين تسببت الرياح بتطاير تنورتها القصيرة أمام عدسات المصورين
    مما أزعج الملكة إليزابيث ودفعها لإصدار أمر بمنع كيت من ارتداء الملابس القصيرة

    بالفطره ..فالإنسان الطبيعي لايستسيغ العُري في غير محله
    حين اضطررت للتعامل مع احدى الفتيات بلباس مبتذل شعرت انها انتزعت جزءاً كبيراً من إحترامها
    لم أعرف كيف أتصرف معها كل ماكان يراودني لحظتها هو الهروب منها
    حتى انها شعرت بذلك فـ هربت قبل أن أفعل شاكرةً لها هههههه

    الإحتشام إن لم يتخذ لأجل الدين … فهو جمال واحترام
    …..
    رائع دوماً ….استمر *flower*

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s