عيب …

“أول ما يعلم الناس أبناءهم أن ينصاعوا للحدود، ثم إذا اقترب خطر قالوا لست مضطراً لها!”
كثيراً ما تراودني فكرة العادات والقيم وكيفية نشأتها حتى أصبحت على ما هي عليه اليوم من أنظمة تحكم الناس قبل القوانين -التي لا يشترط أن تكون عادلة- ولكنها على الأقل توحد معياراً للتعامل بين هواة ثقافية بين تقاليد هؤلاء وهؤلاء!
وبداية من وجود آدم (عليه السلام) وحيداً على الأرض، فإن فكرة الخير والشر لم تنشأ إلا لاحقاً، حين بدت سوءات حواء لآدم والعكس! وفي كل التفاسير نجد أن وجودهما عراة لم يكن شذوذاً أو معصية حتى أكلا من الشجرة وخرجت فضلاتهما (سوءاتهما)، وكان هذا أمر مستحدث ولم يعاشره أحد منهما قط، فلما انتبها إلى ذلك فزعا وسترا نفسيهما، وحينها ابتدأت سنة الله في ستر الخلق!
وبالضبط حين نزل الأمر الإلهي بالستر غطى آدم خصره حتى أسفل فخذيه وكذلك فعلت حواء ولكنها غطت صدرها إضافة! وصار فعلهما سنة في الخلق حتى يومنا هذا، إذ ترتدي المرأة في أسوأ الحالات جزئين من جسدها، وإن كان لا يوجد نص صريح للأمر بهذا الفعل، ولكنه تغطية للفروق الجسدية بين الجنسين!
وهنا نجد اجتهاد العادة قد بالغ في تطبيق الأمر الإلهي قبل الأديان كافة، ويتضح الأمر أكثر في رسومات الكهوف التي حافظت على ستر الاختلافات الجسدية بين الذكر والأنثى في اعتياد كشف الجسد العلوي!، وتشير بعض الأخبار أن تغطية وربط المرأة لصدرها في مصر الفرعونية كان لإعانتها في القيام بشؤونها وواجباتها وأعمالها أكثر من كونه بحث عن الستر!
وتدريجياً كانت الأوامر الإلهية عبر الأديان تضيف بنداً يجب تغطيته في كل كتاب جديد، فالتوراة والإنجيل والقرآن تدرجوا في تغطية جسد المرأة وتطبيق مفهوم “العورة” حتى وصل إلى شكله في عهد النبي (صلى الله عليه واله وسلم)، بين ستر كامل للجسد ويشمل الوجه والكفين وحتى أبسط تعريفاته وهو بالإبقاء على مواضع الصلاة مكشوفة وهي الوجه والكفين والذي لم يكد يطبق بسبب وجوب الاقتداء بآل بيت النبي (صلى الله عليه واله وسلم) اللاتي أمرن خصيصاً بالستر بسبب علة الشهرة.
إذا فالستر بمفهومه الحالي تطور عبر ١٤ قرناً من الإضافات ليقيد حرية امتلاك القرار وأمور أخرى في غنى عن تفصيلها! وإذا عدنا قليلاً إلى الوراء، فمثلاً أهل الجزيرة العربية ليس لديهم زي موحد للباس المرأة ، بل ويختلف بشكل ملحوظ بين نقطتين من ٣٠٠ كم تقريباً! ماذا حصل إذا؟!
توحيد الجزيرة كان بيد قيادة! وهذا سبب تخلي الناس عن تقاليدهم حول الزي وتقارب أصول الضيافة حد التطابق، أو لنقل أصبحت معايير الضيافة تابعة لأصول الضيافة في مركز الحكم وبالتالي مع الوقت وصولاً إلى الآن حيث تكتفي الأسر بارتداء الأزياء التقليدية في المناسبات، وعلى الأغلب يكتفي بها للصغار!
في الحقيقة، إن التقاليد والعادات التي أذابت كل التنوعات الثقافية بين المجتمعات والتي بالطبع قدمت كأمر إلهي ولم تقدم كخيار لتطبيق قيم الفطرة السوية! أو على الأقل فيما نظن! جعلت من بعض العادات أمراً غير مبرر، بل ويناقض بعض قيم وقوانين الفطرة الأخرى كلياً، فالمبالغة في أمر ما يعني الجور على أمر آخر وإن لم تدرك ذلك! ولأوضح الأمر، على منوال الستر جعل بعض الناس الأمر حجة لحصر دور المرأة في المنزل، فقط تكريساً لمفهوم الستر، وفي نفس الوقت خالفوا أمراً إلهياً بوجوب التفكر في خلق الله ورؤية الطبيعة! وكلاهما يؤديان إلى خطر بين الغلو والجفاء!
أرأيت البوصلة، لا يمكن أن تشير إلى الجنوب والغرب في نفس الوقت! لأن المساحة بين طرفيها على الجهة الأخرى ليس متوازناً، فدائما ما تترك نفس المساحة بين اتجاهين، وهكذا عقل الإنسان، ليكون متوازناً يجب أن يبدو كقماش حلبة القفز، حينها تكون كثرة الأفكار تؤدي إلى توازنه وتماسكه.
واستمراراً لمفهوم الفطرة وقيمها نجد أن الإنسان تعلم الكثير من سلوكياته بالمحاكاة، بدءاً من الدفن والقائمة تطول!، ولعلنا نوجد لذلك سبباً، فالبشر هم أحدث المخلوقات الحية، وتواجدهم على الأرض لا يتجاوز المائة والخمسين قرناً طبقاً لأغلب الدراسات، في حين أن المخلوقات الأخرى التي عاشت وانقرضت قبل البشر بملايين السنين، والتي طبقت فطرتها بحذافيرها كونها لم توهب عقلاً لتفكر، وإنما هداها إلى تصرفات محددة تتكامل بها مليارات الأنواع على الأرض! وكل ذلك قبل البشر!.
..
وبعد أن عاشت الأرض ملايين السنين من المثالية الطبيعية بقوانين الغابة التي وضعها الخالق سبحانه رحمة بتلك المخلوقات وحفاظاً على معدلات نموها المتوازن، حتى أتى البشر بعقول معجزة ولكنها لا تستطيع مشاركة الخالق في ملكه وابتكار ما لم يوجد قبل في خلق الله وسننه الكونية، فحصل البشر على كل معارفهم بالمحاكاة وطوروها حتى تصبح أفضل ولتعطي مدلولات غير تلك التي تسير بها الغابة، بدءا من الصيد الجماعي لدى المفترسات واللذي استغنى عنه البشر بتطوير الأسلحة والأدوات لتقليل أعداد جماعة الصيادين وزيادة الفرائس.
ومن الطيور استوحى البشر عدداً لا يحصى من سلوكها المعجز، بدءًا من ثقافة الأحضان والتي تمارسها الطيور دوناً عن بقية الأحياء لتدفئة صغارها، مروراً بفكرة الطائرة، وملابس الريش، ووسائل التدفئة والراحة المستوحاة من الأعشاش!
ولكن مالم يدركه أغلب البشر، هو أن ما يفعلونه ليس إعجازاً، ولكنه عبقرية في الجمع والربط بين خصائص مختلفة من بيئات متعددة لأسباب متفرقة! وكما تمارس الطيور قبلاتها الدافئة لإطعام صغارها حرصاً عليهم كان البشر أولى بالشغف للوصول لهذه الدرجة في الحب فقرروا مجاراة الطيور في التعبير عن حبهم! لذلك لا ينسب الفضل فيها لأول فاعل من البشر! فالأم تمضغ طعام صغيرها عند فطامه ليسهل له بلعه، تماماً كما تفعل الطيور، والأمر مفتوح! وتتوقف الطيور عن فعل ذلك عند بلوغ صغارها!
إن القيم الفطرية اللتي وضعها الله في أرواح البشر لا يمكن أن تعدل بأي شكل وإن شذ الناس كلهم، فكل إنسي يعرف تماماً أنه على خطأ وإن لم يدرك الخطأ! وقيم الفطرة جملة لا يمكن الأخذ ببعض منها دون الآخر، فاذا انتكست قيمة فالبقية تأتي تباعاً.
وعن الأسئلة التي تمس ماديات مستورة فهي لا يجب أن تؤخذ على ظاهرها، وإنما يتم شرحها بالطريقة التي تم استيحاؤها منها، لأنها في النهاية معلومات معروفة ومتوفرة بالمجان للجميع، فيجب ألا تفهم على أنها ردة! أو شذوذ!
الحب كالجوع والعطش والحاجة لمأوى كلها أمور فطرية ومن الصعب الحديث عنها في مجتمع فقير أو يتظاهر بالغنى! هل رأيت جائعاً يصرخ على مأدبة! ربما احتمالية أن تراه أقل بكثير من رؤية الناس يصرخون بحثاً عن الحب! مع فرق أنك لا تحصل على الحب والاهتمام بنفس الطريقة التي تحصل بها على الطعام!
وهنا تبرز أهمية الحصول على اجابة! وإلا سيبقى السؤال عالقاً في الأذهان عند كل منتصف ليل كل جسر نهري، أو أمام شلالات عظيمة أو بين أشجار غناء، أو في مقدمة سفينة عملاقة!! ألا ترى أن كل مشاهد العشق تصور في مشاهد طبيعية!! ألم تدرك بعد أنه أمر فطري؟!
كل الأمور التي نخجل من الحديث عنها هي احتياجات طبيعية، وأما الشذوذ فمن السهل الحديث عنه! ألا تعتقد ذلك أيضاً؟!
..
..
#مدونة_أنس
26/6/2014
Advertisements

13 فكرة على ”عيب …

  1. يعني مش عآرفة شو أحكي ، بس عنجد كلآم رآئع و إقتنعت !

    كل الأمور التي نخجل من الحديث عنها هي احتياجات طبيعية، وأما الشذوذ فمن السهل الحديث عنه! ألا تعتقد ذلك أيضاً؟!
    – صحيييح ١٠٠٪

  2. تنوع وإختلاف أفكارك بين المقالات شيئ مذهل وفيه من الإبداع الكثير بصراحه .
    أنا حبيت المقال دا .
    مفآجأه حلوه 😍 .

  3. عنوان المقال ( عيب…) بداية اعجابي بالمقال

    وهنا تبرز أهمية الحصول على اجابة! وإلا سيبقى السؤال عالقاً في الأذهان عند كل منتصف ليل كل جسر نهري، أو أمام شلالات عظيمة أو بين أشجار غناء، أو في مقدمة سفينة عملاقة!! ألا ترى أن كل مشاهد العشق تصور في مشاهد طبيعية!! ألم تدرك بعد أنه أمر فطري؟!

    دائما تفاجئنا بمواضيعك رغم بساطتها اﻻ انك تبهرنا باسلوب طرحك لها وابداعك فيها.

  4. ما شاء الله عليك عنجد بسطت الموضوع بشكل جميل جدا جدا 3>
    كل كلامك صحيح عيشني جو رائع و انا جالسة اقرأ 3>
    الله يوفقك يا انس .

  5. ما شاء الله تبارك الله كالعادة مقال جدًا رائع و اسم لموضوع مميز يجذب الأنظار. و كلمات تمس الواقع ١٠٠٪

    أحييك أنس واصل ننتظر جديدك 🙂

  6. يا انتا عبيط و ” مشاغب ” بشكل ! *_*
    ومميز ايضاً يا انس.
    ما قلته صحيح ..
    من السهل ان نتكلم عن الشذوذ
    لا نتحسس منه بقدر ما تحسسنا حيال سؤالك!
    و نعدّه – بطريقة ما – أمراً طبيعياً..
    من الجائز ان تتحدث عنه كيفما شئت
    بعد هذا المقال، اتساءل اكثر عن بدايات الامور.
    بسؤالك اللولبي أصلحت ميلنا وعدّلت استقامتنا!
    شكراً لك.

  7. جميل جدا ، وقلم مبدع ماشاء الله.
    ولعلي اكتب ماكان عندي من ردات فعل مباشرة جالت في خاطري وانا اقرأ ، ولعلك تغفر لي إن أثقلت ، وتكون كقطعة قماش القفز ، التي لا تتأثر ، إنما تتأثر بالماء ، فلنعتبر الماء خير.
    بالنسبة للخير والشر فهما موجودان ، واذا ضربنا الكِبر مثالا للشر، والطاعة مثالا للخير، لكان كبر الشيطان وعدم سجوده لآدم أول شر نعرفه نحن البشر ، ولكانت طاعة الملائكة مثالا للخير. لآدم أول شر نعرفه نحن البشر ، ولكانت طاعة الملائكة مثالا للخير.
    .
    وأعجبتني كثيرا لفتة الفطرة والخجل من الحديث فيها ، ولعلك ترى ما أفكر فيه حول ذلك ، الحاجة للطعام حاجة مادية ، والحاجات المادية فطرة ، والحاجة للحب حاجة معنوية ، وهي فطرة واذا كان الزواج هو أجمل نتيجة للحب بين الجنسين المختلفين ، فهذا مانراه في قصة آدم وحواء.
    ولكن لماذا يخجلون من الحديث حول الطعام وكل حاجاتهم المادية ولا يخجلون من الحديث حول الحب وكل حاجاتهم المعنوية؟
    لأن النظرة لجائع أو فقير تكون دونية نوعا ما ، ولا أحد يحب أن يحاط بعين تستعلي عليه.
    فطلب سد الحاجة المادية مخجل ، وهو ليس كذلك عند الحاجة المعنوية.
    وليس لهذا السبب فحسب ، بل لأن الحاجات المادية تعتمد على عمل اليد التي هي جزء من المحتاج ، وعليه فلا بد أن يسد رمقه بيده ، او بنفسه.
    أما الحاجات المعنوية فيندر أن يشبعها صاحبها بنفسه، لأنها غالبا تكون من مخلوقات أخرى ولك أن تستنتج.
    أضفني إلى قائمة المتابعين عندك في ‘الأسك’

  8. النقاط و الأفكار فى مقالك فى محلها و منظمّة ، التفاسير والبراهين كافية للإقناع .
    صراحة المقال جيد جداً أنس ، تعقيبك على هذه الفكرة يكشف مدى أهميتها بالنسبة للبشر و التغاضى عنها لها عواقب وخيمة .
    سعيدة لطرحك هذا الموضوع 🙂

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s