الماء! …

“فليكن عقلك كالماء بلا قالب، وإذا وضع في شيء يعرَّف به، فالقهوة في الفنجان تلغي مسمى الفنجان”
هناك أمر مشترك بين كل العظماء، وهو أنهم لم يتلقوا تعليماً ممنهجاً، بداية من الأنبياء وكذلك كل الذين غيروا العالم لم ينتظموا في مقاعد دراسية كما فعل أقرانهم، وإنما تأملوا فتعلموا،
القوالب التعليمية التي توضع فيها العقول في جداول كتقسيم الصف الدراسي الذي يظلم فيه من يأتي متأخراً، قوالب تحافظ على المجتمعات ولا تطورها، وتحيي الناجحين وترفض زيادتهم لكي لا يتمرد المزيد على تلك القوالب.
أحاديث كتلك عفا عليها الزمن وأصبح المزيد من الناس يؤمنون بها وإن كانوا يجهلون لماذا!، ربما عادة أخرى من ملايين العادات التي لا نبررها برغم تمسكنا بها.
تعالت أصوات الاعتراض حين أسندت مسؤولية حقيبة وزارية إلى شخص غير ممارس للتخصص، ورأوا الأمر كغرفة عمليات جراحية بقيادة حرفي أو مهني، ولم يكن الاعتراض على نوع المدير ولا على كفاءته، ولكن على تخصصه وحرفته، وإذا استجيب إلى تلك النداءات لما أصبح هناك رئيس لدولة، فهذا ليس تخصصاً.
أنا أؤمن كلياً بأن القائد لا يتعلم أن يكون قائداً، ولكنه يتعلم أن يكون قائداً متميزاً، فهو يولد بموهبته ويكبر متمرداً على السلطة ولا يتوقف الأمر عند حصوله على منصب، فمن يستطيع إدارة مؤسسة، سيدير عشراً ولا يحتاج الناس للسؤال عن تخصصه إذا وجدوه بارع القيادة.
في حين أن القادة الروتينيين الذين يتعاملون مع الأمر وكأنه وظيفة أسندت اليهم فلا يكفون عن الأمر والنهي ويؤمنون بالروتين كحل خوفاً من الفشل، والقائد لا يجدر به إظهار خوفه وإلا لما بقي في وجه المدفع ولامتلأت الصفوف المتأخرة بالقادة الأكاديميين الذين درسوا علوم القيادة ولكنهم لم يخلقوا ليكونوا كذلك.
فيما أراه من الدعايات أجد أن كل مؤسسة تبحث عن قائد فذ، ولكنها تشترط مؤهلاً إدارياً قبل الموهبة الفطرية، وتطلب علم البشر قبل علم رب البشر، وهذه الطريقة أفشلت اسلوب الكثير من الإدارات الكبرى ووضعتها في مواقف محرجة تجاه عملائها بسبب أن حصتها في السوق تضاءلت أو تلاشت بسبب أن كل موهوب رفضوه انشأ مؤسسته الخاصة، وتفوق على الخبرة بالمغامرة.
إن ما يجعل الكثير من الشركات تتضاءل حصتها في السوق هو إصرارها على نهج واحد محدود الأفق، على عكس مؤسسات أخرى تصر على تمييز منتجاتها بشعور يلازم التعامل مع المنتج، يشبه الأمر إطار الصورة، يزيدها جمالاً ولا يفسد فكرتها أو يجردها من مضمونها.
وعلى مستوى حكم الدول، يثبت التاريخ أن الحاكم الجاهل تكون بلاده أجمل ولكنها ضعيفة عسكرياً، في حين أن أنصاف المتعلمين تبدو بلادهم فوضوية، بينما الحاكم المتعلم تكون بلاده أفضل في شتى المجالات، وربما أوجدت قيوداً للاشيء، فلا تفعل إلا ما تراه بعد البحث والتقصي مناسباً.
الدول العسكرية هي الدول التي تملك قانوناً، ولا تطبقه بعضه أو كله، لأن القانون لا يسري في الحرب وبالتالي فإن تعطيل قانون يفضي إلى تعطيل البقية، في حين أن التطبيق الخاطئ للقانون لا يعني تعطيله دائماً إذ أنه قد يحمل على هذا الوجه بشكل أو بآخر.
..
عادة، أفضل الحديث مع القانونيين إذا اتيح اللقاء بهم لأنني أتعلم كيف أتحايل، أو أوجد مخارج أو ثغرات في النصوص المتاحة وكذلك فإن القانون يعد سقف الحريات وليس حداً أدنى، ومحاولة تجاوزه بدون خرقه يعد عملاً عبقرياً في نظري لأنه يدعوا القانونيين إلى تحسين المادة.
لا بأس، ليس الأمر بهذا التعقيد، معظم مؤسسي كبريات الشركات توقفوا عن الانتظام في المقاعد الدراسية حين وجدوا أنهم قد حصلوا على ما يمكنهم البدأ به معرفياً، فمن درس علوم الحاسوب توقف حين أتقن كتابة الأكواد ليؤسس مايكروسوفت، وهكذا يجب أن يكون هدف التعلم. والصحابة  كانوا يحفظون من القرآن عشراً عشراً من الآيات حتى يتقنوا العمل بها، فإذا أتقنوا العمل تعلموا المزيد.
من الناس من يفني عمره في طلب العلم، ويموت ولم يبلغ أو يطبق منه شيئاً، ولقد رأيت بنفسي أستاذاً جامعياً صنع جهازاً أعده عبقرياً، ولكنه يود بيع حقوقه بأي ثمن لعدم تفرغه! وحينها تساءلت عن السبب الذي قد يدفع شخص ما لقضاء ما بقي من عمره باحثاً في حين أنه لا ينوي الانتفاع بما يفعله! أو على الأقل نفع الآخرين.
إني أؤمن تماماً بأن صانع الشيء هو الأكثر دراية به، وصاحب البحث أو الاختراع هو أفضل من يجعله ملائماً للجميع، والاستغناء عنه بطريقة الصفقة يبدو حمقاً وإن كان حكمة!، وفي العالم المتقدم لا تجد مؤسسة تشتري اختراعاً وتترك مبتكره.
إن المجتمع الفارغ من الابتكار هو ذلك الذي يعتمد على المال لصناعة مجده!
..
وعوداً على بدأ فإني أعتقد أن بحر العلم واسع، ومتى ما أحس المرء بقدرته على توظيف معرفته بشكل عبقري يتوجب عليه الانسحاب من مقاعد الدراسة وتكثيف العمل على مشروعه لكي لا يخسر وقته، وتخسر البشرية تطوراً أسرع من الانتظار ريثما ينتهي كلٌ مما يفعله.
هناك مؤسسات تجارية بإدارات عسكرية، وأعني بذلك تلك التي تدار دائماً حسب بروتوكولات القالب الأكاديمي وليس استناداً إلى الحدس أو “الرأي” أو المشورة أو حتى بناءًا على الواقع، وكأنما آلات لا تستطيع التصرف مع الأوامر والمشاكل غير المبرمجة سابقاً على حلها. وهذا النوع من الإدارات لا يجعلك تشعر بالفرق في التعامل خلال ٣٠ عاماً.
دائماً ما نربط النجاح بالدراسة الممنهجة، ولكن للأسف لا يملك الحاصل على مرتبة الشرف الأولى إجابة حول إنجازاته! ببساطة لأنه ليس بإمكانك ربط نجاحك بفشل الآخرين، بالتالي ليس بإمكانك التباهي بترتيبك على مجموعتك. ومن ثم فإن كون المبدعين في نفس القفص مع فاتري الهمة وضعيفي الطموح يؤدي إلى مجتمع يهمه أن يكون متفوقاً ولو كان بسبب أن الآخرين كانوا أفشل!
إني أحب الحياة، ولدي الشغف ولا أعلم لماذا أجدني غريباً، فأنا أعتقد أن ما أقوله لا يستحق النقاش أصلاً فهو من فروض كونك بشراً سوياً! فهلا تخلينا قليلاً عن ارتباطنا بأمور ثانوية كالعلامات المدرسية! إنني حتى لا أسميها درجات، فهي ليست عادلة بأي حال ولا أستطيع ترتيب وتصفية الأشخاص من خلالها.
ولو كان الحكم منصفاً فعلاً لهيأنا نفس الظروف في بيئة تلقي المعلومة بالتساوي لكل الأفراد، ومن ثم لنر ما إذا كنا نستطيع تقييدهم أكثر!.
وفعلياً، يختلف تلقي المعلومة حسب موقع المؤدي والمتلقي في كل بيئة دراسية، فمن يجلس في الصف الأول تصله ٩٠٪ من المعلومة بينما تقل النسبة بحوالي ١٥-٢٠٪ لكل صف إضافي (حسب دراسة قامت بها هيئة معمارية مستقلة – المملكة المتحدة)، إذا فوصول المعلومة غير العادل جعلنا نظلم حوالي ثلثي خريجي النظام التعليمي لأجل أن مصممي الصفوف لم يضعو مخمدات للصوت في الجدران لتخفيف الصدى الناتج عن الأجسام الصلبة.
ومؤخراً آمنت بأن من يعتمد على حدسه فلن يفشل، على الأقل لن يخسر نفسه، بينما من يعتمد على دراسته فنادراً ما يصيب، ولعلك تجدنا نؤمن بالتجربة مع أننا نكرهها، ونكره التنظير برغم أننا نمارسه.
الهواية هي ما تفعله في وقت فراغك، والشغف هو ما تفرغ وقتك له، وهو الشيء الذي من خلاله ستغير العالم، وفي مكان ما في وقت ما ستجد من يهتم بما تقوم به وتدريجياً ستدخل كل منزل! فالشغف أقوى منك!، لذلك تخافه…
كن كالماء، بلا شكل، ولكنه مسمى الشكل…
..
..
أنس ماهر
3/6/2014
شارك في #مدونة_أنس

Advertisements

4 أفكار على ”الماء! …

  1. دائماً ما نربط النجاح بالدراسة الممنهجة، ولكن للأسف لا يملك الحاصل على مرتبة الشرف الأولى إجابة حول إنجازاته! ببساطة لأنه ليس بإمكانك ربط نجاحك بفشل الآخرين، بالتالي ليس بإمكانك التباهي بترتيبك على مجموعتك ^راقققت لي كثيررا .

    جميل هالمقال ومن جماله قريته مرتين ❤

    يسلم هالقلم ويسلم صاحبه

  2. أنس .. أنت تتقن مهمتك بحرفيه ومهنيه عاليه وبألفاظ تحقق العرض من استخدامها ، ما شاء الله .. 🙂

    دائماً ما أنتظر العنوان الذي يحمل ورائه الكثير ، ولا أنكر أيضاً أن جملة النهاية هي عالم أخر بذاتها ❤

    {كن كالماء، بلا شكل، ولكنه مسمى الشكل}
    مقال ممتاز طبعاً كالعاده ❤
    أنتظر المزيد 🙂

    مقال متميز ،

  3. اخي انس ماهر ،،

    ابارك لك الاسلوب الجميل والشيق الذي تكتب به ،،

    استمر في الطريق ،،

    فإني ارى الابداع والتميز حليفك ،،

    دمت في رعاية الله وعنايته .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s