التفاحة ملهمة!

“الفائز يكتب التاريخ والكبير يحكي القصة”!
عوداً إلى الوراء، ألاف السنين للوراء في قصة إبراهيم (عليه السلام) وكيف استعمل لفظاً يحمل على عدة أوجه في حديثه إلى عبدة الأصنام، حين قال “بل فعله كبيرهم هذا” وعنى إصبعه بينما فهموا أنه كبير الحجارة! وهذه التورية ليست مذمومة إذ تترك الناس وأفهامهم ليدركوا ما شاؤوا من المعاني عن الألفاظ!
وفي المواقف السياسية لا تجد سياسياً لا يواري ويتحكم ويتلاعب بالألفاظ حتى تكاد تخرج صفر اليدين من خطبه العصماء، وبرغم كل تأكيداته فقلما تستطيع مقاضاته على معلومة مغلوطة، وليس لأنه محمي، بل لأنه يعد المخرج قبل المدخل ويوجد الحل قبل المشكلة ليخرج كالشعرة من العجين! في حين أن السياسي الذي يضع العقد ويقسم الأيمان ويغلظ التأكيدات ويكثر من المهاترات سيكون مغفلاً في عيون الناس وبالطبع سيكون فاشلاً.
لست أدعوا للكذب بأي حال ولكن ما من أحد يحب أن يبقى معلقاً بالثقة حديثة العهد، أو يائساً من عدم وجود وعود!
الإعلام منذ بدأ الخليقة كان يعتمد على مرسل محدد لمستقبل محدد، أو مرسل محدد لمجموعة محدودة وكأنما هي شبكة خطوط مباشرة بين عدد لا متناهي من النقاط، كما كان يحدث في الحروب، رسائل الحمام الزاجل، مخاطبات الملوك، رسائل شخصية! وكلٌ مكتف بما لديه، فلا يتطلع الناس إلى أخبار مراسلات الآخرين بل يكتفون بالسؤال عن شخصهم مباشرة!
تلك العصور أصبح فيها العلماء أقطاباً معدودين ويشير الناس إليهم بالبنان “هذا عالم فاتبعوه” لذلك وجدت أنهم يملؤون كتبنا صخباً حتى يومنا هذا بأسماء خمسة من فلاسفة اليونان طوال تاريخها! وللأسف أن شهرتهم كانت بسبب قلتهم واستقلالهم الفكري عن مجتمعاتهم في المقام الأول وليست بسبب جودتهم أو صوابهم! وحين تبعهم بعض الناس كان إما حباً للتجربة، أو اتباعاً للموضة! وليس بسبب أفكارهم التي تستحق الانتشار!
..
“الكذب يصبح كذباً حينما يكون ضده واضحاً”
الناس لم يستقلوا فكرياً حتى قرنين مضوا أو أقل، وفكرة “أمة واحدة” لم تكن موجودة بمفهومها الحديث إلا في الإسلام فقط، إذ كان كتمان العلم جريمة يعاقب عليها القانون الإلهي، وهذا الأمر الذي جعل كل العلوم التي اكتشفت في نطاق الدول الإسلامية منتشرة فيها كلها ولم يحتكر أحد ما سراً علمياً أو دينياً لنفسه، وهكذا ازدهرت العقول.
حين احتفظ كلٌ بما لديه من أفكار وتوقف الناس عن الحديث حول الكيف والتنظير وانشغلوا بالحديث عن فلان ونظيره! أصبح شبح السقوط واجباً، وأول أمة استغلت تاريخ العلم في فعل ذات الشيء نهضت سريعاً وحكمت العالم، بل وسيطرت على أصحاب العلم لأنها أضافت المزيد.
الخوف من فقدان سر العلم أو براءة الاختراع أجده غير مبرر، لأنه من المستحيل أن يعرف أحد ما شيئاً أكثر ممن عاش دهراً يبحث عنه، هل معرفة بطولات جدك تغنيك عن عيش حياتك؟! بالطبع لا! ولكنها ستعطيك إشارات لما يمكن أن تطوره في حياتك.
الكثير منا يربط بين الأخبار الشخصية المتداولة على الألسن والسطحية، وفي هذا جانب من الصواب صغير، لأن العلوم الاجتماعية لا تتطور بالأسئلة الممنهجة، بل تتطور بقدرة الناس على التواصل وكيفية تواصل الناس مع بعضهم، برغم ما يشاع من أن النساء يسرفن في الأحاديث المهولة إلا أني أعتقد أن هذه طريقة بعضهن في علاج الأحداث والمشاكل، ودائما ما تنجح هذه الطريقة بالقدر الذي تنجح فيه طرق أخرى نجدها أكثر نفعاً وفائدة.
تطور الإنسان يرتبط حرفياً بحصوله على المعلومة أياً كانت، وفي علوم الحوسبة يقال أن كثرة المعلومات تقضي على تشتتها، وهذا يشبه كونك تستحم في بحيرة أو تحت صنبور! ففي البحيرة لا يهم أين تكون فيها فالماء في كل مكان، ولكنك مضطر للبقاء تحت الصنبور ليصلك الماء حين تكون المعلومات في اتجاه واحد أو “محددة”.
أجد احتفاظ الناس بآراءهم لأنفسهم وتبني أصوات “الدبلوماسيين” يبدو سخيفاً وغير مبرر، فاتفاق شخص ما مع الآخر حرفياً يلغي فائدة أحدهما! واختلاف أحدهم عن البقية لأجل الشذوذ يبدو أسخف بالرغم من أنه يعطي أملاً في الحياة! وما معنى سؤالي عن علاقة عاطفية إن أجبتني بآية! أحياناً يبرر الناس أخطاءهم بأنهم ليسوا مثاليين!! أتعلم، لو بذلت كل ما في وسعك وبذل الناس كل ما في وسعهم لما أصبحوا مثاليين، لأنهم لم يخلقوا ليكونوا كذلك، فتذرعهم بهذه الحجة ادعاء بأنه قد يصل إلى تلك المرتبة ناس بجهدهم!
كلما اتسع نطاق المرسل والمستقبل وأصبحت الشهرة ترتبط بمنظمات ومجموعات وليست للأفراد فهذا يعني أن المعلومة أقرب إلى الدقة والصواب بدل أن يعتمد العالم على التنظير ويشتهر المنظر ويموت ذكر صاحب التجربة، وكأنما تعيش في عالم يعتمد على الحدث ويجهل ما وراءه.
أنا أعتقد بأن المعلومات التي تأتي مصادفة هي أهم بمئة مرة من البحث المنمق، لأن المعلومة المعترضة تأتي على خواء ناحيتها ولا يستغلها جيداً إلا المبتكرون إذ تفتح أفق تفكير وتواصل جديد، وهكذا تنضج الحلول المبتكرة، كما حدث مع “نيوتن” وأسطورة التفاحة، وبرغم التحفظ على الرواية إلا أنها قد تكون صحيحة.
غوغل تهدف إلى الحصول على أكثر من ٥٠٪ من معلومات البشرية، وفي الأصل غوغل أسست لإتاحة المعلومة مجاناً للجميع، وعبر مختلف منتجاتها تريد أن تتيح كل شيء تود معرفته عن أي شيء لأنها تؤمن بقيمة المعلومة.
أفضل طريقة لحل مشكلة ما هي أن تعرف عنها أكثر، إذن فكثرة المعلومات تؤدي إلى حلول أفضل حتى وإن كانت معلومات شخصية، ولنضرب مثالاً بسيطاً، هب أن هناك شخص مغمى عليه وذهب به الإسعاف إلى المستشفى وهو لا يملك أية سجلات صحية.
في الحالة التقليدية، يوضع المريض في العناية وتوصل أجهزة القياس به لمراقبة حالته لمدة ما لمعرفة حالة جسده، وحينها قد يكون المرض على وشك الفتك به، ولكن إن كان يرتدي سواراً ذكياً فسيسهل الأمر كثيراً على طبيبه لأنه سيعرف سجله المرضي المسجل مسبقاً على سواره الذي يراقب حالته، وبالتالي تنخفض معدلات الوفيات بأسباب كبطئ التشخيص أو التعارض بين العقاقير، أو رفض الجسم لها.
..
في عالم الاقتصاد يوضح الخبراء المعلومات بمعادلة بسيطة (معلومة = مال)، فكلما أتيحت المعلومات بشتى صورها تطورت البشرية، وأضحى الناس أكثر صدقاً مع أنفسهم.
ما يجعل نظرة التشاؤم تغلب على كل إيجابيات الأمر هو أن الناس يشعرون بفقدان خصوصياتهم! وهذا الأمر يحدث في حال سمحوا هم بذلك، فطالما كانت خصوصياتك في نطاق محدد وليست متاحة للجميع فستصبح بعيداً عن المراقبة، على الأقل لغير المختصين.
وبالحديث عن الجانب الآمن والخصوصيات، فالكثير من المرضى يزرعون سنوياً قواقع، أو شرائح إلكترونية على القلب إلخ…، وهذا برغم أنه يتيح للأطباء مراقبة ومتابعة حالة المريض بشكل أدق وإعطاء صدمة كهربية في حالات الطوارئ، إلا أن هذه الأنظمة معرضة للاختراق، والخطأ فيها قاتل، وإذا عملنا بفزاعة فقدان الخصوصية والخوف من السرقة أو فقدان السيطرة فستنهار منظومة الحياة.
الجيل الحالي يحافظ على معدل أعمار مساوٍ لما هو عليه قبل مئتي عام تقريباً، وقصص بطولات الأجداد المحصورة في نطاق ما وكأنها إرث مادي، أصبح المعني بها جيل بأسره وليست محدودة بأبناء هذه الأسرة أو تلك، لذلك ولد الأغنياء من بيوت الفقراء، وعندما عمل أبناء الأغنياء بما أحبوه أصبحوا أشد ثراءًا وأصبحت مسؤوليتهم تجاه مجتمعاتهم أكبر.
كان الإنسان يبلغ المئة عام ليكتب كتاب حياته، والآن نكتب كتاباً لكل ساعة، وإن شئت فكل يوم من كثرة ما يردنا من معلومات ومن سهولة ما يمكننا أن نفعله باستخدامها.
أعتقد أن العقول في طريقها للتمازج بدلاً من “العنصرة” والتفرقة، وليمارس الخلق حقهم في التطور.
..
..
شارك في #مدونة_أنس
أنس ماهر
27/5/2014

Advertisements

فكرتان اثنتان على ”التفاحة ملهمة!

  1. في هالوقت صار مقياس مدى وعيك وثقافتك من الكم اللي تحمله من معلومات وتنوعها ، كان بايام ابائنا يحكمون على شخص ما بانه مثقف او ﻻ من ما يحمله من شهاده على عكس وقتنا الحين صار هالمقياس نادرآ ما ينظر اليه !

    دائمآ في كل مقال لك تجعلني اقف ل لحظة واتامل ماهو مكتوب واسترجع بعض النقاط في حياتي.

    وياعسى هالقلم دائما عامر.

  2. “أحياناً يبرر الناس أخطاءهم بأنهم ليسوا مثاليين!! أتعلم، لو بذلت كل ما في وسعك وبذل الناس كل ما في وسعهم لما أصبحوا مثاليين، لأنهم لم يخلقوا ليكونو كذلك، فتذرعهم بهذه الحجة ادعاء بأنه قد يصل إلى تلك المرتبة ناس بجهدهم!”

    استمر يا أنس ، استمر . نحتاج مثل هذه العقول.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s