طالب حتى المتوسط …

طالب حتى المتوسط …
ظروف عمل والدي كمهندس جعلتنا ننتقل إلى الرياض قادمين من القاهرة بعد عدة أعوام قضيناها في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث ولدت، وحان الوقت لكي ألتحق بالمدرسة التي كانت لا تبعد كثيراً عن منزلنا، وحينها جاهد أبي في محاولات متعسفة للحصول على قبول في إحدى ثلاث مدارس كانت قريبة منا حينئذٍ، ولكن مشيئة الله قضت بأن أبدأ دراستي في ذات المدرسة التي تخرج منها أعلام الرياض القديمة، مدرسة المحمدية بالديرة !
كانت وجبة الإفطار المدرسية يتم تحضيرها عن طريق مطعم يديره عامل، ويجهز إفطار كل طالب حسب طلبه قبل أن تقتحم إحدى الشركات هذا المجال وتحتكره بأسوأ طريقة ممكنة، وهذا كان يمنح الطلاب حرية في اختيار غذاءهم، كما كانت الحصص الدراسية طويلة ورتيبة للغاية وأكثر ما أذكره أنني حينها كنت أجلس وبالقرب مني شخص يطوف عليه الذباب لشدة نتنه، ولذلك نقلت مكاني في الصف.
وعادة حين تنتهي حصصنا الست نخرج من المدرسة لأُضطر للانتظار لساعة أو ما يقاربها لأجل والدي الذي تعهد بمرافقتي ذهاباً وجيئة، ولكن هذا التعهد لم يدرج فيه موعد مرافقته، لذلك كنت مضطراً للجلوس متأملاً طريق السيارات، وكذلك كان هناك متجر لبيع المعدات الزراعية والتي لم أكتشف ماهية منتجاتهم إلا بعد عشر سنين، ولازلت أذكر عامل البقالة الذي كان يدعني أجلس في دكانه بدلاً من البقاء في حر الشمس، وربما أعطاني بعض الحلوى ليحاسب عليها والدي فيما بعد.
ولا أنسى محاولتي الأولى في الاتصال من الهاتف الثابت بالجوال عن طريق البطاقات المسبقة الدفع حينها، ولشدة بطئي في نقل الأرقام من البطاقة إلى الهاتف، كانت تجاربي باتصال تبوء بالفشل، وكان يأخذ هو البطاقة ليتصل برقم أبي، والذي بالمناسبة لم يتغير منذ عام 1995 أو قبلها بقليل مع ثورة الاتصالات اللا سلكية في المملكة، وكان أبي حينها محاضراً في إحدى الكليات الهندسية، ولذلك كان يتأخر عن مرافقتي بسبب جدول محاضراته.
ومضى فصل دراسي كامل، وحصلت بفضل الله على فرصتين للقبول في إحدى المدرستين القريبتين لمنزلنا فشاورني أبي فيما إذا ما كنت أفضل واحدة على أخرى فاخترت “مدرسة عبدالحميد الكاتب الابتدائية”، وربما هذا سبب لما تقرأه الآن!، وجل ما أذكره أني قضيت الفصل الثاني من الصف الأول الابتدائي فيها، وما عدا ذلك لا أذكره!.
ومع بداية الصف الثاني حصلت على مدرسة جديدة، وتختلف عن الأخريات بأنها “مدرسة تحفيظ للقرآن” (وتزيد عن الأخريات بأنها تكثف من منهج القرآن عن طريق حصص إضافية)، وفي هذه المدرسة لا زلت أتذكر عدة معلمين، منهم رائد فصلي في لصف الثاني الابتدائي، (أ. محمد الهيشة) وكذلك معلم اللغة العربية والذي سبب لي عقدة من اللغة العربية ابتداءًا من الصف الرابع الابتدائي بسبب عقاله الذي لا يكاد يستقر على رأسه حتى يهوي به على ظهر أحد الطلاب بسبب وبلا سبب!، وربما نالني من الحظ جانب فحصلت على واحدة غير مقصودة على حد تعبيره (أ. عصام العصيمي) !.
وأفضل ما أتذكره حينها هو أنني كنت أكبر عدو لصديقي، “زكريا”، والذي له يد بشكل أو بآخر فيما أنا عليه الآن بحمد الله، كان رساماً وبسببه أصبحت كذلك.
أتذكر كذلك ملعب الأسفلت الذي يغطي ثلث ساحة المدرسة، وكانت إصابات المدرسة كلها بالطبع له نصيب فيها، كشهوده على أقوى إصابة حصلت لي حتى الآن، كسر في مفصل الكاحل جعلتني أحضر للمدرسة شهراً بعكازات !.
وكان أخي الذي يكبرني بعامين دراسيين معي كذلك في ذات المدرسة، والذي بالمناسبة درست معه في الابتدائية والمتوسطة والثانوية، وربما الجامعة بإذن الله، ووجوده في المدرسة كان جزءاً من معاناتي على الأرجح، إذ إني حين وصلت للصف الرابع الابتدائي كان وزني قد قارب الستين، ولم يبق أحد في المدرسة لم يعايرني بذلك حتى هو!، وخفف من حدة الأمر أن نتائجي الدراسية كانت مشجعة للغاية.
كبرت وكبرت أزمة السمنة، حتى وصلت أوجها في نهاية الصف الثالث المتوسط!.
وبداية من الصف الخامس الابتدائي، انتقلنا كلياً إلى حي الربوة ونسيت “زكريا” تماماً، والذي شهد حفظي للقرآن الكريم في جامع الراجحي في الدورة الصيفية التي سبقت دخولي للصف الخامس الابتدائي ومن ثم حصلت على مدرسة جديدة بفضل الله ثم بفضل أخي الذي تحدث مع مدير “مجمع أبي عمرو البصري لتحفيظ القرآن” ليتم نقلي مباشرة إلى هناك في اليوم التالي من حديث أخي.
وكان الاستقبال حافلاً، فدخولي لأول إلى هناك كان على موعد حصة العلوم (أ. خالد العجلان)، والذي سمح لي بالدخول ثم أكمل الدرس!، وحينها سأل سؤالاً للطلاب ووضع عليه عدة درجات ووجد صمتاً من الفصل كله، فأخبرته أن لدي إجابة فاندهش، وحين حصل على الإجابة أخذ يلوم الطلاب لبقية الحصة، وحينها حصلت على مركز جديد، وكذلك كسبت ثقته!.
وأخذت الأيام تمضي وأنا أكتشف أشياء لم أجدها فيما سبق من دراستي، وخصوصاً ما يتعلق بالنشاط الطلابي والذي كان يروقني جداً، فوجدت البيئة الملائمة للعمل، لأحص على ثقة الوكلاء لأكون مسؤولاً عن معظم جماعات المدرسة في الأنشطة اللاصفية، كإنجاز رائع بالنسبة لي، والذي توجه نتائج رائعة في المعدل العام للصف الخامس الابتدائي وصل إلى 98% على ما أتذكر.
في الصف السادس الابتدائي، اتسع نشاطي ليشمل الغياب كثيراً عن الحصص، وأن أكون مسؤولاً عن تمارين الصباح برغم وزني الذي وصل إلى السبعين!.
وكانت مدرس مادة التعبير في الصف السادس الابتدائي (أ. فيصل النويصر) قد طلب من إحضار بحث لا يتجاوز أربع صفحات، ففوجئ بي أحضر بحثاً وصل إلى خمس وثلاثين صفحة، والأدهى من ذلك هو موضوع البحث الذي تحدث عن الطاقة النووية، ولم ينقصه شيء حتى الألوان والصور ليحصل على جائزة دولية ربما !.
وأما نتائج اختبارات الصف السادس الابتدائي فقد انتهت على أسوأ ما يمكن، وأسوأ منها حالة الرعب التي عشتها قبيل صدور الشهادات!، لقد تخيلتني راسباً!، وقبلها أهدوني هاتفاً جوالاً كتكريم لي على جهودي !.
يا للحمق!
برغم ثقتي من أني اؤدي جيداً، إلا أن ذلك لم يمنع عقلي من ارهاق نفسه في التفكير السلبي!.
وفي ذات المدرسة انتقلت لقسم المتوسط بشعور أكثر هيبة، يا لسعادتي ! أنا كبير !، وجعل هذا على عاتقي الكثير من الضغوط بسبب المواد التي تفرقت، والأخرى التي ألغيت وكذلك كيفية الموازنة بين النشاط اللاصفي ودراستي، وصدمت بعودة “زكريا”، إذ لم أعرفه إلا متأخراً، وحينها توطدت علاقتي به كثيرا كأكثر شخص كنت أستمتع بالبقاء معه.
وقبل ذلك في الابتدائية كنت دائماً أمثل المدرسة في مسابقات القرآن، وقررت أنني لابد أن أستمر، ولكن هذه المرة كانت المشاركة في معظم المسابقات، والتي وصلت إلى عشرين في أسوأ الأحوال!، وخصوصاً مسابقات المسرح والتي كان يمنعني من الإبداع فيها خوفي، وأحيانا هلعي وتصبب عرقي وارتفاع حرارتي بشكل يستحيل فيه الاستمرار.
فترة المرحلة المتوسطة ارتبط اسمي بالنشاط تدريجياً حتى أصبح النشاط مرتبطاً بي لدى كل طلاب ومدرسي مرحلتي، ونتيجة لذلك كان بإمكاني الحصول على مالا يستطيع الأغلبية الحصول عليه، وكذلك يتاح لي مالا يتاح لغيري، بداية من هاتفي، مروراً بخروجي الغير مشروط من المدرسة بسبب أن الحارس أصبح يعرف من أنا! وأصبح يعرف من سيسائله عن خروجي! لا أحد!.
وفي الصف الثالث المتوسط تحديداً عاد “زكريا” إلى مسقط رأسه (كندا) وأحسست حينها بشعور خاطئ، ومن ثم وبسبب اليوم الوطني للمملكة كانت المدرسة مطالبة بتجهيز عرض احتفالي لتقديمه “للوزارة والمسؤولين”!، ولحسن الحظ تطوعت أنا ويحيى العيوني @ya7yamo حينها لتقديم هذا العرض، وكان يحيى بالمناسبة معي منذ الصف الخامس الابتدائي ولم أتعرف عليه فعلياً إلا حين عملنا معاً على هذا العرض!، ولكني سعيد بقدر عدم التقاءنا كثيراً به كشخص أعتز بمعرفته، وكذلك هو أول شخص أخبرته بهذه المدونة، وكذلك هو أكثر من توقعت منه تجاهلها! وقد حصل!.
وإعداد العرض لم يستغرق أكثر من أسبوع على أسوأ الأحوال حسب ما أذكر، وكان هذا الأسبوع هو الأكثر تسيباً في تاريخ المدرسة!، لقد كنا نقضي الحصص الدراسية بالكامل في معمل الرياضيات بحكم أن الأستاذ المشرف على العرض هو المعلم المسؤول عن المعمل وكل يوم يسألنا عن تقدمنا نجيبه بأننا نجاهد لمونتاج المشاهد!، وفعلياً كنا صادقين بالرغم من استخدامنا لجهاز حديث للغاية حينها.
وقضينا اسبوعاً آخر في محاولاتنا اليائسة، حتى باغتنا مدير المدرسة بسؤالنا عن تقدمنا، فكان ردنا كما هو ولكن الفرق كان في التسمية التي لا زلنا نتندر بها على بعضنا في كل مرة أقابل يحيى فيها، أسمينا المشروع حينها Full HD! كطريقة للتهويل من شأنه.
ووصل الأمر بنا أن قمنا باستخدام جهاز المدير لتجربته في مونتاج وجمع المقاطع وكان منظراً مهيباً، خصوصاً وأن ضيوف المدير كانوا يأتون ويجتمعون معه في حضرتنا، وكان جدار غرفة المدير الذي يطل على ساحة الطلاب زجاجياً تماماً، مما جعل شعور الهيبة يتضاعف حين يرانا الطلاب بهذا الشكل!.
جل ما فعلناه هو كتم ضحكاتنا!، وفي النهاية أنتج العمل على آخر جهاز توقعناه، جهاز مضى على إنتاجه ما يزيد على الثماني سنوات، بنظام تشغيل مات تقريباً إلا من غرف الحاسب في المدارس الحكومية !.
وحصلتا على تكريم خاص بسبب هذا المقطع بالرغم من التأخير الغير مبرر الذي قمنا به، وكان تكريم ذلك العام عادلاً تماماً، فحصلت على كمبيوتر محمول وجوال ودروع وشهادات كانت نتيجة أعمال المتوسط كلها.
ومن ثم قدمت مشاركتي في مسابقة البحوث عن “أمهات المؤمنين”، وكان بحثاً منمقاً حصلت بموجبه على المركز (الأول) على مستوى منطقة الرياض ببعض المساعدة من المعلمين.
ونتائج الصف الثالث المتوسط كانت كارثية، بالرغم من الدرجات المجانية التي أتت من كل حدب وصوب اعترافاً من المعلمين بقيمة ما عملناه، فوصلت نسبتي إلى 94% بدلاً من الدرجة الكاملة في الفصل الأول!.
..
أتعلم، ربما لم أخرج من المتوسط إلا بفائدتين أحدها معرفة يحيى!.
ولازلت على اتصال بزكريا (صديق الطفولة) حتى الآن، بالرغم من أن أحدنا لا يستطيع لقاء الآخر.
أفضل شخص تعرفت عليه حتى انتهاء الصف الثالث المتوسط هو (أ. عبدالمجيد العقل)، لقد كان عقلاً رائعاً بالفعل، وقد كان يدرس مواداً دينية.
..
حديث متأخر!
اكتب ذكرياتك لتنساها!.
..
..
أنس ماهر
20/1/2014

Advertisements

10 أفكار على ”طالب حتى المتوسط …

  1. أتعلم ما الأجمل فى قصتك ؟ .. بتطلع منها بإستفادة ، بتتعلم ، بتمشى خطوة بخطوة يعنى مش بتسابق فى المستويات .
    ما حدث لك من عقبات صغيرة أو كبيرة .. تمنحك مزيد من الخبرة و أعلم بأن لك علم على ذلك .
    جميل جداً هدفك و فكرك .. جميل جداً سعيك حتى و لو جزء منها باتت بالفشل لأى ظرف .
    أريد إخبارك بأمر .. سوف تقابل عثرات جديدة حتى تشبع نفسك من الخبرات على صعيد الحياة و العمل .
    لطالما كنت طموح و مازالت .. استمر فالحياة ستدهشك بمفاجآتها إذا سُيرت على هذا النمط و تقدمت .

    كل التوفيق أستاذ أنس .. 🙂

    • رائع جداً، ويبدو انّك كتبت ذكرياتك هذه لتنساها.. رغم انّها بالنسبة لي تبدو انجازات رائعة فعلتها.. على الأقل تخرّجت من هذه المراحل بإنجاز و لم تتخرج منها وانت عبارة عن طالب عابر بكرسيّ هرِم.

  2. السلام عليكم اخ أنس 🙂
    فاجأتني هذه المرة اكثر لأنك تكلمت عن فترات من حياتك بالكامل في مجال المدرسة ولم تطرح مشاكل او حلول بل اكتفيت بالحديث عن تجربتك، ومع إظهار القليل من خفة دمك ؛)
    وأحسست بكل كلمة كتبتها حتى أني تخيلت مكتب المدير!!
    عرفت جوانب اكثر من أنس بعد هذا المقال وصرت سعيدة اكثر بتعرفي عليك ….

  3. طبيعة كتاباتك يتغير المقال ويبقى أنس حاضرا فيها جميعا لذا سأظل متابعه أبحث عن نكهتك الخاصه هنا وهناك أتلذذ بها وأستعذبها .. إلى الأمام دوما يا أخي ؛)

  4. أنس ي جميل :$ ,,
    هههههههههههههههههههههههههههههههههههه 😛
    حبيت زكريا ي بني لآنو فكرني ب صديقة صارت فترة قريبة من روحي من بعد عداوه وحقد وحروب :$
    و بعدها أتفرقنا لما نقلت وهيا نقلت من المدرسة :$ ..
    وماشاء الله عليك بعد المتوسط حافظت ع نفس الوتيرة ف نشاطاتك , وكثير من الطلاب يفقدو دا الشي زي حالتي طبعًا 🙂
    وي مميز كل مدونتك جميلة بآقي الروآية ي أنش 😛

  5. بدايةً ومع تعدادك لأسماء المعلمين كنت أخشى قراءة إسم “العجلان” وهاقد قرأته -_- *كثار بالمدراس ماشاءالله*
    أوووووه حاولت أن أتخيل لااااايليق بك الوزن الزائد (X
    اهنئك على عقليتك وتفوقك …. وانقاص وزنك 🙂
    .
    .
    رائع ومحفز + إلى الأمام

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s