الفن والمال، مالخطأ ؟

الفن والمال، مالخطأ ؟!
لماذا لا نستسيغ المبالغ الفلكية التي تدفع لقاء اللوحات الفنية، أو حتى تلك التي نشتري بها ألبومات غنائية؟
..
كلنا نفضل أن نتعامل مع الماديات ولا ندفع المال لقاء المشاهدة أو السماع أو الإدراك، المال لقاء الإحساس واللمس، لأننا نثق بأن الأخلاق تشترى بالأخلاق كما تشترى المواد بالمواد، وهذا ما يجعل الروح تقايض بالروح ولا صحة لشراء الذمم!.
كنت أتصفح الشبكة كالعادة ووقعت عيناي على إحصائيات لدخل كبار المنسوبين إلى القطاع الرياضي والسينما ونجوم المجتمع، فوجدت أن مجموع مدخولاتهم السنوية يشكل ميزانية دولة عظمى، وبالرغم من ذلك فهم لا يشكلون ما يزيد على 0.1 % من عدد سكان العالم، بل وأقل من ذلك بكثير إذ لا يتعدى عددهم الخمسين في كل دولة كمعدل.
وإذا نظرنا إلى تفاصيل الدخل ستجد أن رواتبهم الرسمية لا تتعدى ربع ميزانية الإعلانات والدعاية التي يقومون بها، أو بالأحرى ما يقومون به لأنديتهم أو مؤسساتهم أو شركات الإنتاج أو المنظمة التي ينسبون إليها بشكل رسمي لا يمثل جهدهم إلا قيمة ضئيلة مقارنة باستغلال تلك الشعبية في التسويق لمنتجات مادية.
هذه المنتجات المادية التي تنتشر وتشتهر على أساس الدعاية اتي يقوم بها بطل شعبي فتشكل وجهة الموضة لفترة من الزمن وتظل كذلك حتى يأتي ذات الشخصية في دعاية مناقضة أو إعلان مناقض، أو يأتي الراعي بتقليعة جديدة بوجه آخر.
وكلما أزدهرت صناعة الإعلام الاجتماعي كان ذلك في صالح المستهلك، إذ إن ذلك سيؤدي إلى تخفيض كلفة الإعلانات وبالتالي توفير بعض المال الذي إما سيرفع من جودة المنتج دون المساس بالسعر، وإما سيخفض من السعر مع الإبقاء على الجودة كما هي، وربما تلاحظ ذلك جلياً خصوصاً في المنتجات التي لا تُعلن على التلفاز عادة، كالصحف الإلكترونية والأجهزة الإلكترونية كذلك والتطبيقات وبرامج الحاسوب التي لا يمكن الوصول إلى شريحة مستخدميها إلا بأن يأتي الإعلان على الأجهزة المشغلة للتطبيق.
وهنا تكمن قضية التوفير، لأن الإعلانات الإلكترونية والنوافذ المنبثقة والفيديو الإعلاني الذي أضيف مؤخراً إلى موقع YouTube جعل التواصل وإضافة المعلومات وحصر المهتمين وتحديد نطاق الإعلان أسهل بشكل لا يقارن مع الإعلان التقليدي، ولعلنا جميعاً نشاهد الإعلانات التي في شاشات الطرق، والتي كانت تقوم مقام إعلانات فيديو YouTube ولكنها لا تمنح المستمعين تجربة متكاملة، إذ إن الصوت غير موجود، ووضوح الصورة لا يفي بالغرض وبالتالي كان الحل من جنس الفكرة، ولكن بالوصول لكل مستخدم على حدة.
إذا عدنا للأصل فشركة مثل Google تعتمد كلياً وبالمعنى الحرفي على الإعلانات، وهذا هو سر تفوقها ونجاحها إذ تصل إلى كل مستخدم بشكل شخصي، ولذلك هي وجهة رائجة ومباشرة لمعظم المستثمرين والمسوقين بسبب اتساع نطاق مستخدمي خدماتها.
وفي الواقع أنا لم أكتب ذلك إلا تمهيداً لما سأقوله، فنحن الآن نعيش عصراً تمثل التقنية والتواصل هي محوره الأساسي، بينما قبل ثلاثة عقود مضت كان الاهتمام منصبَّا على الأزياء والموضة والتقليعات الغريبة، ومن ثم أتت موجة كروية ورياضية شديدة، تبعتها مباشرة الحواسيب والثورة المعلوماتية وبداية عصر الهواتف والاتصالات، ومن ثم أصبحنا الآن نعيش عصراً أصبح كلٌ منا يملك حاسوبه في كفه.
وتقييماً لهذا الوضع، أعتقد أننا كلما تقدمنا في التطور والتحسن المستمر ازدادت فرص النجاح للأفراد والمجتمعات، وزاد هذا من سهولة الوصول إلى الشهرة في وقت قصير، ولذلك نجد نجوماً اشتهروا بسبب مقطع مسجل، أو تغريدة مكتوبة، أو أو أو…، وهذا بدوره جعل هؤلاء المشاهير هدفاً لرؤوس الأموال التي تهدف لاستغلالها كواجهة دعائية لمنتجاتها، وهو يضمن بشكل كبير جداً الحصول على مبيعات عالية وشعبية متزايدة خصوصاً إن كان المنتج جيداً بما يكفي.
الموسيقى التي تباع في ألبومات مسجلة، أو تتاح لك لتنزيلها من الشبكة بتكلفة تتعدى دولاراً لكل أغنية، أجد فيها نوعاً من الغباء لأنك لا تستطيع السيطرة على مواقع القرصنة وأيضاً ليس بإمكانك إجبار المستخدمين على شراء سلعة غير مادية ولا يمكنك التفاعل معها، فالنقد يقابله المادة ولا تستطيع أن تشتري فكرة مجردة !! أو تحجز هواء الجو !!، لذلك أقبل معظم المنتجين على تخفيض أسعار الألبومات الإلكترونية والإبقاء على الأخرى المادّية بسعرها، وهذه حماقة أخرى إذ إن هذه التكلفة تشعرك بقيمة القرص المضغوط، وليس بقيمة ما يحويه!.
المجتمع الذي يتاجر بالفن هو مجتمع جاهل !
فالتجارة تكون لما سيعود به العمل الفني من أرباح، وليس تكميماً له أو حجزاً له تحت تقدير معين، أليست الروح لا تقدر بمال !
ودعني أضرب لك مثلاً، ولنقل مهندساً معمارياً سهر عدة أشهر لينجز مخططاً ومنظوراً لبرج شاهق أو مبنى عبقري، أو متحف أنيق. هل من المعقول أن أجره يكون لقاء تفكيره واستخدام عقله؟ بالتأكيد لا، ولكنه يحصل على مقابل ما يفعله نظير قيامه بتطبيق رؤيته على الواقع واختيار مواد البناء وخامات المنتج النهائي وهكذا…
وكذلك الموسيقي، فلا يكفي أن يدندن بلحن غير مفهوم لتدون كنوتة موسيقية على يد آخر، بل يجب عليه أن يقوم بتلك الدندنة ومن ثم يدون ملاحظاته ويقوم بتجربة ما وصل إليه، وهنا لازلنا في مرحلة التفكير، ولاحقاً حين يجمع الناس لمهرجانه أو حدثه الذي سيبهر فيه الحضور بمعزوفته حينها تتولى مؤسسات الدعاية والإعلان القيام بمهمتها ويصل بعض المال لذلك الملحن أو الموسيقي أو المغني، أو الرسام أو الممثل، ومهما حصل على مال قليل أم كثير فهو يعتبر مظلوماً لأن الفن لا يقدر بثمن، ولذلك قيل أن الفنانون تعساء!
ولذلك أجد مبررات للمبالغ الطائلة التي تنفقها مؤسسات وحكومات على الدعاية، وحتى في حالة كونها تشتري (حقوق) التصرف والتعامل لأغنية ما أو صورة معينة، فهي تؤدي ذات الغرض الذي ذكرته، وهي الحصول على الشهرة، والمبلغ المدفوع ليس قيمة العمل، وإنما قيمة افتراضية لنسبة الزيادة في الأرباح بعد الإعلان !
خلاصة الأمر، تو أن سياسة بيع الموسيقى أو الصور على الشبكة لا صلة لذلك بالحكمة أو تقدير الفن، بل دوافعه مادّية بحتة ولا تضمن حق البائع ولا المشتري، فكلاهما يعرف أنه متوفر في شبكات القرصنة، لذلك الحل يكمن دائماً في التعاقد مع منظمة تحتاج لمن يقوم بالترويج لمنتجاتها الملموسة والتي لا تشعر بالإهانة حيال مقايضتها ببعض أوراق النقد، ومن ثم يأخذ الفنان نسبته من أرباح ما يسوق له!
تخيل عالماً لا تشتري فيه الفن، بل فقط تستمتع برؤيته، إننا حين نذهب للمتاحف من أجل مشاهدة الآثار لا نقوم بدفع تذاكر الدخول من أجل المشاهدة، بل هي من أجل أجور الصيانة ومن أجل كل شيء عدا الآثار التي قام عليها المتحف، ولذات السبب تجد أن اللوحات الفنية تباع وتشترى بأرقام فلكية، وكلما أصبحت أقدم كلما زادت المزايدة عليها وارتفعت قيمتها المادية دون الفنية، فالفن لا يقدر بثمن.
ولو عدنا بالزمن إلى الوراء قليلاً سنجد أننا كنا نتمنى لو حصلنا على طريقة للبقاء على اطلاع بأحدث الصيحات والأخبار في شتى المجالات والتي من ضمنها تلك التي تتعلق بالأزياء خصوصاً دون الإخلال بميزانياتنا أو استهلاك الوقت في البحث والتقصي واللذان لا يأتيان بالمطلوب غالباً كما يفعل الإعلان الآن.
..
إذن هل تعتقد أن المعلنين سيتكفلون بتكاليف استمتاعنا؟ أم أننا مضطرون لدفع المال لقاء كل شيء مباشرة؟
أجب بتعليق*
..
..
*هي آخر أفكار 2013 وكذلك آخر أيام الثانوية بجوار القمر !
أنس ماهر
31/12/2013

Advertisements

7 أفكار على ”الفن والمال، مالخطأ ؟

  1. بل نحن مضطرون للدفع طبعا
    ونعم لم أكن أسخط بشدة على
    تلك المداخيل بالأرقام الفلكية ..
    وما دمنا نتمتع ف أين الخطأ في
    أن تدفع بالمقابل !
    فكر متجدد كعادتك يا أنس ..
    وما أجمل الهديّه ^-^
    كل عام وأنت بفكرك المتّقد

  2. يعني مادري وش اقول يعني مادري خاانن التعبير الحين مادري فهمت سؤالك صح ولا مافهمت بلأصل بس ع الي قريته ع فهمي يعني مضطرين لدفع المال اصلن هم عندهم الماده اهم ماراح يسوي شيء ويعطين اياه ببلاش☹̶ مابو شيء ببلاش الحين

  3. اكثر مالفتني موضوع القرصنه لطالما فكرت في امر الحقوق المسلوبه حين اجد ان الموقع الرسمي للفنان مثلاً اصبح مرتاديه قله نظراً لوجود القراصنه الحارقين لمفاجأت ذلك الفنان والذي يتأمل بأن تكون حصريه بادي الامر منه لجمهوره كنوع من الامتنان لمتابعتهم..!

    وكذلك تسرب النسخ المجانيه والتي خفضت من الدخل المادي لبعض الفنانين ان كان ممن يأخذ دخله بالنسبه ..!

    وفي العامه تجد فئه كبيره اصبحت تذيل اقل مجهود حرفي بعدم تحليل محتواه لانها تعتبر هذا المجهود فنها الخاص الذي لا يقدر بثمن..!

    ماشاء الله ابهرتني ياانس فعلاً هديه يستحقها هذا العام..♥

    “كن دائماً بجوار القمر ” 🙂

  4. اول مره اقرأ مقآل لك و افهمه من النظره اﻻولى
    والجميل انه يتحدث حول محور واحد
    الا ان سؤالك ما عرفت اجوابه !
    _

    لاتتوقف عن الصعود
    ولو كثر الساقطين *_^

  5. رأت موضوعك في مدونتك..يارجل عقلك فذ اقتصاديا
    فكرت تكتب بجرائد؟..أسلوبك سلس يأهلك لذلك
    “إذن هل تعتقد أن المعلنين سيتكفلون بتكاليف استمتاعنا؟ أم أننا مضطرون لدفع المال لقاء كل شيء مباشرة؟”
    مضطرون لشراء الاستمتاع بمالنا والوسيلة هي الاعلان
    “وهذه حماقة أخرى إذ إن هذه التكلفة تشعرك بقيمة القرص المضغوط، وليس بقيمة ما يحويه!.”
    الواقعية في الاقتصادية أمر لا بد منه..خصوصا بالاقتصاد والاستهلاك والتكلفة ومع ارتفاع معدل الخسائر في الفن لكونه محدود لفئة معينة
    ارتفاع التكلفة في قرصها المضغوط دون نسختها الالكترونية لابأس بها ولاتخل بمحتواها..حيث انها عادلة ومنصفة للشركة المنتجة والمستهلك من حيث الجودة وسهولة الاستخدام وتكلفة المواد ..
    موضوع رائع صديقي انس .. 🙂

  6. مُضطرون يا أستاذ أنس للدفع مقابل أى شىء .
    شوف احنا كل ما حنتطور ، حنلاقى عيوب تقابلنا
    يعنى مثلاً زى الموبايل الحديث .. كل ما كثرت الإمكانيات ، توازيه عيوب و خلل .
    كذلك حالنا الآن ، الإعلام و حب الشهرة و المال .. جعل الفن ينقلب على عقب
    فكما قولت الفن إحساس و ليست مادة تباع و تشترى .
    المال يا أستاذ أنس هو اللى فسد المسؤلين ، فسد المجتمع و فسد الموهوبين .
    و بما إن المال هو سياستهم فى عملية التجارة ، فبكل يقين لسنا مُضطرين بل مرغمين على الدفع .
    فكما قولت المتاجرة بالفن .. ناجمة من تفكير جاهل .
    أما بالنسبة لتكاليف استمتاعنا ، لم يعد أحد ينظر بهذه الزاوية ..
    فالناس كالقطيع مثل ما يصدقون الإعلام .. يؤمنون بأن المال هو الوصول لكل الأحلام
    للتوضيح : ليس جميعهم .

    موضوع جيد أستاذ أنس .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s