على الحافة !

على الحافة !
هل نحن بشر أم هناك من ينسبون إلى هذا العرق الشريف بغير حق ؟
هناك من يجبر نفسه على العيش في المستنقعات الفكرية ظانّاً أنه في قصر مهيب، وزاعماً أن تلك التي نصفها بأنها مستنقعات ما نقول ذلك عنها إلا لأننا نغار مما وصلو إليه من تقدم (تخلف) في الاستنباط والفهم، وكل هذه الترهات حبر على ورق ولا أدلة مادية ولا حسية عن صحة ما يشيعونه عن أنفسهم ويستميتون في اندفاعهم للدفاع عن ذلك، وفي نفس الوقت يجب أن لا تناقشهم لأنك لا زلت طائشاً بنظرهم ولا يمكنك اتخاذ قرار لأنك لا زلت مراهقاً، والأدهى والأمر من ذلك أنهم يفرضون على الآخرين الأخذ بآراءهم المتخلفة!.
وهم ذات الأشخاص الذين يقومون بجعل الأقلية يحكمون أكثرية عن طريق إضلال الأكثرية وزعم أن الحكمة لدى تلك النخبة المنزهة عن النقائص !.
لماذا نعلي من قيمة المجتمع على حساب القناعات الشخصية ؟
في الواقع هذا يحدث في المجتمعات شديدة الطبقية، إذ يقدس فيها كبير السن وإن كان جاهلاً علمياً وعقلياً، ويُتبع سفاهة وتعصباً، فيقوم على تنفيذ أوامره أولاده بصورة مباشرة ومن ثم الأقرب فالأقرب.
ليست المشكلة في تلك الطبقية التي تجعل من قول هؤلاء وحياً، وإنما المشكلة تكمن في عدم وجود أسباب لأي قرار سواءًا كان القرار يمس مصالحاً عامّة أو حتى شخصية على حساب العامة، ولذات السبب تجد أن كل من في هذه الدائرة هم عبارة عن آلات مبرمجة للعمل ضمن روتين صارم وركيك تمت برمجته بخوارزميات ورقية ! وربما على منصة DOS !.
ما يدعو للامتعاض حقاً هو أن هذه الدوائر مترابطة بشكل أو بآخر، وكأنها في علبة كبريت، لا تكاد تتداول لشدة قدمها، وحقيقة هي لا تمثل المجتمعات في العادة، إذ إن هذه الدوائر لا تستطيع التعبير عن نفسها لأنها لا تحتاج ذلك فهي مكتفية ذاتياً، كما هو الحال مع قبائل البدو!.
لماذا لا يكتفي المنتقد بالانتقاد بل يصل إلى درجات أعلى في الاستهزاء والسخرية، والعلو في الحقارة انحطاط!
لكي يستطيع أن يجد حجة عندما يرى نجاح من ينقده، كأن يقول أن هذه كانت طريقته لشحذ الهمة !
وهذه من صنوف الحماقات التي لا يدركها المربّون مبكراً، وأحياناً لا يدركونها أصلاً، فمثلاً والدي -حفظه الله- يصر دائماً على وصفي بالمتشتت، ويبرر ذلك بأنني أضيع وقتي في التفاهات ولا أحرص على مستقبلي ودراستي، بل وصل الأمر ذات يوم أن قال لي أنني لا أستطيع الحصول على علامات كاملة، وفي الحقيقة أن هذه الكلمات مستفزة للغاية لذلك ألجأ عادة إلى التغاضي عنها حتى تصل لمستوى لا يمكن السكوت عليه، وحدث ذات يوم أنني كنت في حالة نفسية يرثى لها جراء الغباء الذي أراه كل يوم وجراء التجاهل وعدم التقدير الذي أحصل عليه سواءًا من المعلمين أو من أبوي !، فلما حان الغداء تحدث أبي عن طاقتي المهدرة وأنني لا أحسن التعامل مع نفسي ومع أفكاري، وكالعادة آثرت الصمت لأن جدالي مرهق حتى وصل الأمر للتشكيك في قدراتي !، وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير.
بدأت أتحدث عن أنني لا أسعى للحصول على علامات بالقدر الذي أسعى به للاستفادة مما أتعلمه، وهذا ما يجعلني أضع الاختبارات الشهرية حقولاً لتجاربي على قدراتي، وهكذا أحسست بالظلم لأني أفترض أن والدي يجب أن لا يضعني في موقف كهذا لأنه يعرف أنني لست مضطراً لتبرير موقفي، وأثق أنه يقدر قيمتي!، وكأني عدت إلى الأنا المقيتة، ولكن مع ذلك أعود وأقول أن طريقة اتخاذ الحديث السلبي تقية وراء السطحية أو الجهل هي طريقة بالية وسخيفة وفيها تقليل من قدر المتحدث والمتلقي بشكل بشع، ولذات السبب حصلت على عقوبات غير محدودة من والديّ بسبب جدالي في أفكاري.
هل يجب علينا دائماً تبرير قناعاتنا ؟
بالطبع لا، وبرأيي أعتقد أن كل أفكاري وقناعاتي يجب أن يكون لها أساس علمي أو عقلي، أي أن أكون مقتنعاً بها بشكل يمكنني من إغواء الآخرين باعتناق أفكاري طبقاً لشرحي البسيط.
وفي نفس الوقت يجب ألا تعرض قناعاتك بشكل مبتذل فهكذا سيتخلى عنها من يطلبها، أي أنه ليس هناك عاقل يشتري سلعة توزع في مكانٍ آخر بالمجان!.
لماذا نعتبر بعض الألفاظ سيئة دوناً عن البقية ؟
لأنها تلامس محسوساً نترفع عن الحديث عنه، وربما لأنها موروثات أتت بسبب إيحاءات ذهبت أمثالاً!
في الحقيقة، ليست كل الألفاظ خالصة لغويّاً، أي أن بعضها منقولة إلى العربية بإيحاءها المترجم أو من لغة إلى أخرى، كما هو الحال مع اللغة الانجليزية والتي استوردت ما يقارب الست مئة كلمة بذيئة من الألمانية والتي كانت تتداول بكثرة أثناء فترات الحروب والحالات الاقتصادية شديدة السوء، وكذلك (طز) التركية التي عربناها بأنها بذيئة وهي تعني (ملح).
وهنا يجدر بنا ذكر التناسب العكسي مع حجم الألفاظ السيئة في ثقافة ما مع معدل دخل الفرد في ذات البيئة، سنجد أن المجتمعات الارستقراطية في العادة تكون مثقفة وعاقلة وبالتالي تكاد تنعدم لديهم تلك الأحاديث لأنهم ليسوا بحاجتها لتبرير مواقفهم أو حتى إظهار استياءهم أو تعبيرهم السلبي تجاه أمر ما.
أما تلك الغارقة في الفقر ستجد أن الكلمات المعتادة هي أكثر ما يتحرج منها المثقفون لأنها مبتذلة للغاية، وربما إن قدر الله ذات يوم وجالستهم لأسبوع ستسمع فيه ألفاظاً لم ولن تسمعها فيما مضى وبقي من حياتك، بل وستقف مشدوهاً أمام بلاغة التعبير والوصف والتقزيم والتحقير بلغة شديدة الإنحطاط.
هل القوانين البشرية تحد من الفطرة ؟
لربما نكون حمقى إذا قلنا أن القوانين البشرية عبقرية كلها، في بلاد العالم كلها تجد صنوفاً من القوانين تثير الغثيان لشدة سخافتها وبشاعة تحديدها، فقد تجد أنه من الممنوع أكل المثلجات أمام البنوك في سويسرا!، وهذا القانون وأمثاله تكون له مواقف أدت إلى اصدار ذات القانون الذي يبدو شديد الحمق لمن يجهل ثقافته وأسسه.
ونحن هنا من المحيط إلى الخليج نصدر نوعاً من القوانين لا يفرق بين الحر والسجين، ويساوي بين رأس البار والفاجر لمصلحة صاحب القانون، أوتذكر قصة الثعلب والأرنب والغراب؟! ج، لوهلة هي تنطبق علينا كلياً فالقاضي يأخذ نصيبه من القضية بصفته شريكاً، كما هو الحال مع الحكومات التي تقاسمك رزقك لتصرفه على نفسها بينما تشقى أنت في الحصول عليه، وكأنك تستأجر جزءًا من الهواء، أرأيت الذي يبيع سمكاً في الماء !
لماذا نبقى في خط مستقيم، نحن نصف ميتون ؟
إن الخط المستقيم هو أقصر طريق بين نقطتين، ولكن ماذا إن كان ذلك الخط يمر بنقطة ثالثة قبل أن يصل إلى تلك التي جعلناها الثانية؟!.
يتصور الناس أحياناً أن مشاكلهم واضحة المعالم ولا تحتاج لخبير لتقييمها وتحديد النقاط التي أعماهم غرورهم وغضبهم عن رؤيتها أو عن الشعور بها لذلك يجدون أنفسهم مضطرين ليكونوا أقرب لتقبل فكرة أنهم لا يستطيعون حل مشاكلهم بأنفسهم ولذلك يلجأ الناس عادة إلى أقرب من يحتوي مشاكلهم بما لديه من جوانب خفيت عنهم بحكم التجربة.
وكذلك فإن هذه النقاط الإضافية قد تضيع الكثير من العقبات في طريق من يمشي ليلاً لأنها لن تكون ظاهرة واصطدامه أو حتى انشغاله بها سيعيق تقدمه كثيراً خصوصاً وأن من هم تحت تأثير الاستفزاز لن يستطيعو إمهال أنفسهم حتى يتحسسو طريقهم لذلك سيضرهم تسرعهم!.
مالفائدة من كل تلك الدرجات التي لا فائدة منها ؟
إننا جميعاً متفقون أن النظم التعليمية العالمية عتيقة وقديمة للغاية وشديدة التعقيد وتعلم الغباء وانعدام الحس الفني في الوقت ذاته، ولذلك تجد أن الطلاب يتأففون ويتذمرون من كل ما يمت للمدرسة بصلة، بل وابتكروا صنوفا من التندرات والمواقف التي تجعل اليوم الدراسي يمر بقليل من المرح.
ومما هو معلوم أن هذا النظام المدرسي المتداول الآن عالمياً عدا دويلات تعد على أصابع اليد هو نظام أُسِّس قبل ما يربو على ستة قرون منذ عهود ملكة الشمس والبلاد التي لا تغيب عنها الشمس وعصور الاكتشاف.
وبغض النظر عن نجاح هذا النظام من فشله، فنحن نقتبس النسخة الأكثر سوءًا وسوادًا في كل النسخ التي ينتهجها الآخرون، ومن ثم نطالب بتحسين النظم التعليمية لدينا!.
هل رأيت ترميماً على هيكل بالٍ ومتهالك، إنا نحتاج إلى نسف الهيكل التنظيمي والإداري بالكامل لأن النظام التعليمي سيء بالكامل وذلك لأنه أساساً بني للمعلم، وهو يجب أن يبنى للطالب ولاحقاً أصبح المستفيدون منه هم أرباب الأعمال وبارونات المال وأصحاب السلطات المفتوحة لأنهم يحتاجون إلى من يقول سمعاً وطاعة دون تفكر، وهذا مبحث منفرد.
..
..
أنس ماهر
23/12/2013

Advertisements

6 أفكار على ”على الحافة !

  1. جميل ، ولاحظت ايضاً انّك تتحدث عن اكثر من شيء في مقال واحد
    مثلاً هنا ذكرت القوانين و تحدثت ايضاً عن عدم التقدير ، ماتفعله جميل نوعاً ما لكن من ناحيتي جعلني اتشتت قليلاً حتى اصل الى اخر المقال و اسأل نفسي: عما كان يتحدث بالضبط! .

  2. حدد أولوياتك , نظمها و اسع ..
    هناك خطأ ف الترتيب أعده مرة واثنتين وعشر ..
    لا مدح هذا ولا ذم ذاك له الأثر ما لم تسمح له أنت بترك الأثر ..
    انفرد بأفكارك وقيمها بنفسك لا حاجة لتسظال الآخرين نقدها إن
    كنت أنت تستطيع فعل ذلك بنفسك , لا أعني تهميش الآخرين بل
    تهميش رأيهم فيك تسمع وتقرأ وتتأمل وتجرب فما حاجتك برأيهم
    إن تك تستطيع صنع رأيك الخاص ..
    القوانين وضعت لإيجاد الحد الأدنى من النظام والآداب ..
    لم أجعل قوانينهم معياري لما هو مناسب وماهو غير ذلك ..
    فقط عش حرًا … أحسنت أخي *باقة ورد*

  3. أبهرتني يا انس، برافو!
    في حقيقة الأمر لم أعتقد إطلاقاً -على وجه المزاح والمقارنة- أنك لا تنتمي إلى العرق الشريف بجدارة : )
    الأمر أنك من جديد تسعدني بصوتك الجهور، لأنك تحرص جيداً على أن يستمع الجميع، والأجمل من ذلك أنك أدركت بعناية معنى القوالب الصدئة التي تقبع في بالونات الأكثرية في هذه المجتمعات التي وبجدارة لخصت السمّ الذي يصيب العالم في جميع الجوانب، وأنك هنا نقلت الأمر بتحليل متفوق كعادتك. معظم المتراجعين الذين حاولوا ولم يفلحوا يفضلون قبوعهم في قفص الإدانة والتهم والتقصير على أن يتجاهلوا وجوده .. إن قفص المراقبة العاجي هذا يقبع تقريباً في كل بيت عربي، ولكن الفرق الكبير مع الأسف والذي قدم عدد قليل من الأشخاص المتميزين المؤهلين لإحداث تغيير حقيقي، أن تلك القلة هي فقط من تفلح في تجاهل درامية الأقفاص والشكوى التي تعينهم على التراجع بدون تأنيب وبقدرة فذة على الاستناد إلى شماعة الأكثرية والواقع ومبررات الفشل والتراجع. هذا المجتمع يحتاج ما كتبته فوق، ويحتاجك بلا شك.
    أنا فخورة جداً بك، لأنك تقوم بما يجب أن تقوم به، وتفعل بعده ما تحب فعله بدون حاجة للعيش في كابوس الصراعات وبث النيران في غير مكانها و التي تلتهمك وتستنزفك. أولى بنا أن نصنع شمسنا، على أن نقضي عمرنا نحاول سد ثقوب شمسٍ يكاد زيتها يجف.
    كن أنت، ولا تكن غيرك.
    كل الود والسعادة لك وبك : )

  4. للاسف ياانس في مجتمعنا تفشى وأد الافكار واُعتمدت النمطيه في ارائه مع ان العقول لم تخلق الا لمواجهة حياة متجدده بمعنى ان نسمح للسلوكيات والاراء بالمرونه الايجابيه
    في مره ذكرت بأني لا استطيع البناء على “خرابه” اقصد بذلك الاهتمام بالبنيه التحتيه فنحن نحتاج للاصلاح اولاً لا لبناء ركيك قابل للانهيار ..
    وممايؤسفني ايضاً ان ترى اهتمام البعض بالحصول على الدرجات الكامله و الاعتماد على الحفظ الحرفي مردداًمايتم تعليمه كببغاء ثرثاره لا تعي مما تتفوه شيء..!
    ومن ثم لا يتعدى امر معلومات الواحد منهم مغلف الاختبار المُتلف وقد يكون هذا الامر سبب وجيه في تراجع مجتمع باكمله..!

    اعود لاقول لا لتهميش الافكار الابداعيه لا للحط من اصحابها نحتاج حقاً لفرص حقيقيه والمزيد من الثقه من اجل النهوض ..!
    ونحتاج حقاً لجرأه انس البنائه 🙂
    ابدعت كعادتك فخوره جداً بماتقدم ياصديقي..♥

  5. لقد قمت و بجدارة “بفش غلي” في هذه السطور المعدودة! ، افكارها متناسقة و مترابطة جدا من وجهة نظري .. ﻟﻤﺎﺫﺍ ﻻ‌ ﻳﻜﺘﻔﻲ ﺍﻟﻤﻨﺘﻘﺪ ﺑﺎﻻ‌ﻧﺘﻘﺎﺩ ﺑﻞ ﻳﺼﻞ ﺇﻟﻰ ﺩﺭﺟﺎﺕ ﺃﻋﻠﻰ ﻓﻲ ﺍﻻ‌ﺳﺘﻬﺰﺍﺀ ﻭﺍﻟﺴﺨﺮﻳﺔ، ﻭﺍﻟﻌﻠﻮ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻘﺎﺭﺓ ﺍﻧﺤﻄﺎﻁ!
    ﻟﻜﻲ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥ ﻳﺠﺪ ﺣﺠﺔ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﺮﻯ ﻧﺠﺎﺡ ﻣﻦ
    ﻳﻨﻘﺪﻩ، ﻛﺄﻥ ﻳﻘﻮﻝ ﺃﻥ ﻫﺬﻩ ﻛﺎﻧﺖ ﻃﺮﻳﻘﺘﻪ ﻟﺸﺤذ الهمة!
    برأيي النقد لا يجدي نفعا و لا داعي له حتى لو كان بناء لأن في وقتنا الحالي جملة “عشان مصلحتك” تأخذ البطولة بعد كل نقد عالأغلب جارح و غير مفيد بل من ينقد ، ينقد لمجرد النقد كمن يجادل لاثبات رأيه في جدال اصلا عقيم! .. لا أحد ادرى بك من نفسك ولا احد اعلم بك من مصلحتك .. أنس استمر يا مبدع ^^

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s