أنت مجنون، أنت إنسان …

أنت مجنون، أنت إنسان …
إن كنت تقرأ ذلك لتشعر به، فأنت قد بدأت بالفعل ولن تنتهي وأفعالك امتداد لذاتك 🙂
وإن كنت قرأت ذلك يائساً من التغيير، فإنجازك هو إنهاءك سطرين بالفعل !
أحياناً تجبرك ظروفك على التأقلم مع فوضى من أي نوع، خصوصاً فوضى غرفتك في فترات العصف الذهني أو في الفترات التي تسبق اختبارات، أو حين البحث عن شيء ما أو حتى لإبقاء شيء ما مكانه نقوم بخلق فوضى !!
ولدي مثال لذلك:
عندما تفتح دولاب أوراقك لتضع فوق كل هذه الانقاض ملفاً جديداً للتو بدأت العمل عليه، فتضطر إلى مزاحمة لملفات القديمة وربما التخلص من بعضها لإبقاء هذا الملف الجديد قيد التطبيق، لذلك تضطر إلى إقامة فوضى جديدة في مكتبك لإعادة ترتيب أوراقك لتبقى في المنافسة.
إذن فالفوضى ليست غاية، وإنما وسيلة لإنعاش أفكارك التي ملّت من الترابط بنفس الكيفية.
أحياناً نكون عشوائيين جداً فيما يتعلق بأمور المشاعر، فنتركها كما تأتي بها الرياح، أو نصبح كالآلات باحثين عن صندوق المفاجآت، ذلك الصندوق الذي لا خطأ فيه !!.
ففي الحالة الأولى نتربص كالفخاخ الحديدية، فأي ريشة لمست لسان الفخ أوقعنا بها وإن كانت ريشة، وبعيداً عن ذلك فنحن نثق أن ما يمنح لنا دون سابق معرفة يكون هدية القدر لنا، وهذه سذاجة بحق إذ لا تذهب الشمس ليأتي المطر دائماً، فربما ذهبت لنشعر بالغبار يزكم الأنوف !
في تلك المرحلة نتربص لكل ما نسميه (فرصة لا تعوض) لدرجة أننا قد لا نقدر نوع هذا الطير الذي نخطط للإيقاع به، فيتساوى لدينا الصقر بالغراب.
ولذلك نجد أن كل ما يحدث من وراء سذاجتنا نوكله فوراً إلى تلك المفاجأة، ونصبح كذلك عاجزين عن اتهام أنفسنا بالتقصير، فيصبح من الأسهل علينا إنشاء فوضى داخلنا جراء الاتهامات التي لا مسوغ لها.
ولنعد مرة أخرى إلى الفخ!
لماذا تكون أحاسيسنا مرهفة تجاه المفاجآت لدرجة تعمينا عن وزن الأمور بشكل صحيح، فيصبح ميزاننا يرتفع ويهبط بشكل مريع، فتجد الخبيث ينقلب عليه قليل الطيب في لحظة انفجار، ثم نثبت الموازين في لحظة ضعف لنتفاجأ متأخرين أن اختيارنا خاطئ.
وليت الأمر يقف عند حده ذاك، إذ نبدأ حين أول إحساس بفشلٍ بالتشكيك في كل ما سبق وتلا ذاك الحدث، ونبدأ الصراخ واللوم واللطم والندب حتى نتفاجأ مرة أخرى أننا لا نحسن تقدير الأمور !.
ويستمر بنا الحال حتى لا نؤمن بالمرة بالأقدار الجيدة، بل وحتى نبدأ بالتشكيك في نوايا غيرنا، وتصبح قواعد حياتنا تقوم على أساس أنه لا نجاح أصلاً، ويحصل كل إنسان على القليل مما يريده، ببذل عمره كله رخيصاً في سبيل حفنة من المال يكتسبها بعرق جبينه، وليس باستخدام عقله.
..
ومرة أخرى نرتكب خطأً فظيعاً حين تصبح حياتنا قائمة على عدم الإيمان بالفرص، ومتعمقة حد الموت في بذل الجهد دون تفكير، وبدائية وسطحية حد الموت جراء الكآبة التي كتبناها على أنفسنا جراء فشلنا في استغلال فرصة ما!
ثم نعود لنتحدث مرة أخرى عن بؤسنا، وكيف أننا أسرفنا في البكاء على اللبن المسكوب ونفض مجالسنا وكلٌ عائد إلى ما كان عليه، والنتيجة #لا_تغيير !!
هؤلاء السطحيين الذين كنا نقول عليهم يوماً أنهم لا يرجى منهم أي فائدة، أصبحنا منهم ونحن ما زلنا ننتقدهم، أصبحنا أسوأ منهم ونحن مازلنا ساكنين لا نتحرك، بل ننحدر!
وبنفس الطريقة كنا نقول أنه لا أحد بإمكانه تغيير العالم إلا أن يكون ذو سلطة وجاه حكوميين !
وانحدرنا أكثر!.
حين أصبحنا بائسين وتعساء حد نعي أنفسنا أحياء، وبدأنا نتمتم بكلما غير مفهومة لنا لأننا لا نعرف ما نريد!.
أصبحنا نتحدث عن تلك الصدفة التي تنتشلنا من واقعنا التعيس إلى أعلى درجات المجتمع، على جناح ملك وربما على فرس سندريللا الأبيض !
ماذا حدث؟ هل فجأة قررنا أن نؤمن بالأحلام؟ هل تغيرت الآية وأصبحت الأحلام هي الحل؟
في الواقع إن الخطأ هنا أصبح أعظم، فقد جمعنا جريمتنا الأولى مع نكستنا الثانية آملين أن يحل هذا عقدتنا الأزلية التي لا زلنا لا نعرفها حتى الآن، عقدتنا التي جعلتنا نتحول من غيوم السماء إلى جحور الأرض، معتقدين أن الحل الوسطي يكون قريباً مما كنا فيه ولذلك لا داعي لتجريبه !
نحن نرى ونعرف ولكن لا ندرك ونفكر !
منذ زمن كنا نرى ونسمع ونتعلم أن التجربة خير برهان ولذلك نحن نطبق ما تقع عليه أعيننا وليس ما تتوصل إليه عقولنا، ولذلك وجدنا أننا نجيد السخرية بالقدر الذي لا نجيد فيه العمل، وأصبحنا نرى تضادّا بين السخرية والعمل الجاد، بل وأصبحنا نعتقد أن الناجح لا يجيد النكتة كما نجيدها نحن، وفي النهاية نقول:
“ما باليد حيلة”
لا أعلم حقيقة ما يجعلني أمتعض وأحنق على هؤلاء الذين لا يجيدون النكتة ولا يجيدون العمل، لا أعلم فيما يفكرون حقيقة، ولا أجد مسّوغاً لهذه القسوة مع الذات !
إن حب الفكاهة لا يتضاد إطلاقاً مع العمل الإبداعي، ولكنه مضاد تماماً للعمل الروتيني فلا يمكن أن يكون التقليديون والعاديون ظرفاء!، وخصوصاً إذا كان المتلقي مبدعاً ومبتكراً فهو غالباً لن يستسيغ المنطق المُغْبَرّ سواءًا نبعت الطرفة من البؤس، أو كانت مكررة.
إن واقعنا يحتم علينا أن نكون حالمين وخياليين لكي نستطيع تطويع الواقع لخدمتنا، لذلك ينظر اليائسون للحياة على أنها شمس تكاد تغيب فلا داعي لوضع الألواح الشمسية، ولكن المتميزون هم من يثبتون الألواح مساءً ليستخدمها الآخرون في الصباح، وهكذا يبقى الأثر فإن كان كل ما نفعله يكون لأجل مصالحنا فبالتالي ليس من حقنا الاستمتاع بما تركه الآخرون لنا، لأن كل ابتكار يكون لمن سيأتي، سواءًا أدركناهم أم تركناهم فنحن نصنع للمستقبل الذي إن أتى ونحن لم نقدم له شيئاً فسنموت ولن تبكينا الأيام.
إننا نندب حظنا على التفريط فيما مضى بالرغم من أننا مقبلون على ما سيصبح ماضٍ فيما بعد ومع ذلك نصر على ترك أنفسنا على رماد الأمس الهش، أو على زجاج الواقع الأملس، متجاهلين أن المستقبل ثابت بإمكاننا استثماره في تثبيت زجاج واقعنا.
سنغادر اليوم، ليسعد الآخرون غداً وربما نكون من هؤلاء الآخرين الذين سيستمتعون بما بدأوه وأسسوه، لأننا نتغير في كل يوم وفي كل لحظة، لنصبح ألمع وأسطع، أو أبأس وأشنع !.
لنكن فوضويين بما يكفي لجنون المستقبل، فلا يؤسس المستقبل إلا المجانين، وليبقى الآخرون على سكك الماضي في عصر الطائرة، ولنر إن كان جنون فوضويتنا سيتمكن من خلق نفوس جديدة !
فمن رحم الجنون، يولد الأبداع ومن هذا الإبداع نوجد الحلول !
..
إننا نصنع كل يوم فوضانا بأيدينا، ونلام عليها أكثر من لومنا أنفسنا على تأخرنا في اتخاذ قرار، ونعاني لإيصال رسالة أننا ولدنا لنكون متمردين، لنكون ثوريين، لنكون مجددين، لنصنع الحياة التي تناسبنا، بشروطنا نحن، وليس بقانون من سبقنا، لنكون خلاقين ولسنا تابعين مأجورين لآخرين، لنحلم بالحياة !.
إنها الفوضى التي لم ولن نفكر يوماً أنها ستكون أكبر دوافعنا للنجاح، إننا مجانين لذلك نحن مختلفون، فمن ينعتنا بالمجانين هم هؤلاء الذين يتطورون حسب ما تمليه عليه بيئتهم، وحسب ما يجبرهم عليه المجانين !.
ومن ثم يعود هؤلاء الروتينيين ليصدروا أحكامهم بحق هؤلاء الذين نظموا بفوضاهم حياة الروتينيين.
..
أنت تاريخك وحاضرك ومستقبلك، أنت أنت، أنت بجنونك ستبقي على الشرنقات محكمة على عقول الروتينيين في عالم ما تحت البشر!
إننا نستيقظ كل يوم لنشعر بأننا بأجساد جديدة، لذلك نحن مختلفون، ولذات السبب نعود لأسرتنا كل مساء لنشعر أن شيئاً سُلب منا، أوه … إنه جنوننا الذي نمارسه على من لنا سلطة عليه، لقد فقدنا أنفسنا ليوم !!
ثم نستيقظ عازمين على تغيير شيء ما، ثم نعود كالسابق !

لقد أمرنا أن نعمر الأرض ولذلك نحن خلفاء الله في أرضه، وإعمار الأرض لا يكون بالركون إلى جدار، بل بصناعة شيء من لا شيء، بحياكة ثوب من خيوط بالية، باستخراج المسك من دم حيض غزال، بالابتكار، بالمزج، بإثبات أننا على قدر مسؤولية الأمانة التي ائتمنها ربنا سبحانه عليها، نحن أقوى من الجبل وألين من الماء، وأمر من العلقم، ولكلٍ وقته، جنوننا في قدرتنا على الإتيان بجديد، بكسر الروتين، بالوصول من طريق مختصر لم يسلكه أحدٌ من قبل، بإخراج الإنسان بداخلنا، ذلك الذي لطالما قتلته التبعية، والغوغائية، أنت أنت !
لقد وُلد الإنسان بلا شرنقة تقيد حركته، لقد ولد من كيس مرن وسرعان ما أصبح حرّاً، وآخرون بقي هذا الكيس عليهم فأصبح يابساً يقيدهم، ويشعرون بأن الآخرين كذلك !! هؤلاء ليسوا بشراً هؤلاء أقل من البشر، فالبشر مجانين، عجولين، أذكياء ومبتكرين، ومن يبقى في الشرنقة يموت فيها ولا يذكره ذاكر !.
فليحيا الجنون، ولتبقى طاقتك حرة، ولتحتفظ بإلكترونك النشط ولا تربطه بآخر يخمده، ابق مجنوناً، فوضوياً وذكياً ومبتكراً، وحافظ على سلالة الإنسان الباقية، فقد انتشر من هم دون البشر وينسبون إليهم، لقد أصبحنا أقلية، سنهلك إذا لم يبق جنوننا متقداً ومشتعلاً، لقد كدت تسقط حين نعتك الأموات بالحياة فاعتبرتها إهانة 🙂
..
دورة حياتك تبدأ بولادتك، ولا تنتهي إلا بموت أفعالك، وبكل ابتسام انبض بالجنون !
.
**هذا حديث موجه لهؤلاء الذين قرروا تطويع الواقع لإرادتهم، واستعمال ما سخره الله مطواعاً للإنسان على وجهه الأكمل، على وجهه المجنون، على وجهه الغير متوقع 🙂
..
..
أنس ماهر

28/11/2013

BA9m9ZpCYAEa0bG

Advertisements

15 فكرة على ”أنت مجنون، أنت إنسان …

  1. عرَّفت الجنون بالفنون ..وحقا الفن يعوزه وثبه عآليه ويشترط هنا أرض ناعمه ! أو غير مؤذيه على الأقل
    لن أشرح مقصدك من الجنون فقد وفيت لكنها مجرد مشاركه
    الأغلبيه يبحث عن المختلف والذي يدخل في مضمار الجنون لكنهم يتجردون من مسؤولية صنعه..رغبه بالحصول على الأشياء مغلفه
    لم تكن الضروف يوما عاملا لحبس الجنون بدواخلنا لكنها عاملا كبيرا لتأخره
    ولا يمكننا صنع شيء من لاشيء بل باستغلال اشياء ربما لاقيمة لها لتصبح أشياء ثمينه صنعها إصرارك وجنونك !

    فليحيا الجنون 🙂

  2. الجنون هو نوع من الفن .. نوع جمميل جدا .. *
    قليل من هم محترفون في هذا المجآل ,
    مقالتك جميلة جدا انوسس 3>
    للاسف اليوم نظرت فيها ب نظرة اليئس من التغيير :*(

  3. فالفوضى ليست غاية، وإنما وسيلة لإنعاش أفكارك التي ملّت من الترابط بنفس الكيفية. \\ مدونة جميلة أفكارها مترابطة ,, أحييك عليها ^^

  4. بعد ان قرأت مقالك تذكرت
    سؤال لإحدى اخواتي ف
    الاسك مضمونه سؤال عن
    رأينا في ان اجمل الاشياء
    من ابتكار الجنون وافقتها
    تماما الجنون نعمه محسود
    مالكها لانها رحم الابداع
    واذكر اني قلت لها ان انعدام
    الجنون يعني غاية الحرص
    والميل الى الروتين والبعد عن
    المغامره والاعتراض على
    الجديد ، الدوران في دولاب
    لن يفضي بك الى اي مكان
    وليس هذا من خصال
    الناجحين ف الناجح متجدد
    متطور ومتكيف ومجنون ..
    احسنت يا انس .. بوركت

  5. دورة حياتك تبدأ بولادتك، ولا تنتهي إلا بموت أفعالك، وبكل ابتسام انبض بالجنون !
    انااشهد ان بعض العرب يورّدك الجنون 🙂
    مقال مجنوووون
    فعلاً بعض الجنون فنون 🙂 !

  6. لطالما كنت أعتقد أن نظرة المجنون للحياة هي وحدها الصحيحة
    نعم لقد قررت أن أصبح ممن اتصف بالجنون …ولن أتراجع بإذن الله ..

    تدوينة رائعة ..
    جزاك الله خيراً

  7. الجنون الحقيقي هو ان يمضي يومي وانا في مكاني
    ولم احرك ساكن
    كل شيئ متوقف
    فقد استيقذ اكل اصلي انام
    واين الحياه لاشيء
    ماذلك الا موت بطيئ وممل

    .
    .
    .
    الذات تحتاج لكي تحيا
    ان تنافس ذاتها
    وتتخلص من كل
    عاده ووطبع يعيق تقدمها
    .
    .
    الانسان ان لم يضع له اهداف
    في يومه يصل اليها
    اصبح هو الوسيله اللذي يصل
    الناس ب اهدافها
    وينتهي يومه وهو مستمر ب لا شيء

    .
    .
    قرئت ذات مره لكاتب شبه الانسان اللذي
    يبدى يومه بلا خطه له
    بالرجل اللذي يركب
    طائره ولايدري اين يذهب
    .
    ضيااع
    .
    .

    .
    .
    انس
    اعتقد بأنك اثرت في نفس كل شخص قرى مقالك
    حب الجنون والتفرد ♡
    رائع جدا وتقول مانحتاجه دائما
    شكرا لك

  8. رائع يا أنس ,, دمت مبدعا ,, وفقك الله ,,
    ,,
    اكثر ما لفت انتباهى
    إننا نندب حظنا على التفريط فيما مضى بالرغم من أننا مقبلون على ما سيصبح ماضٍ فيما بعد ومع ذلك نصر على ترك أنفسنا على رماد الأمس الهش، أو على زجاج الواقع الأملس، متجاهلين أن المستقبل ثابت بإمكاننا استثماره في تثبيت زجاج واقعنا.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s