تحدي الإرادة …

تحدي الإرادة …
هل من المعقول أن يحفز الإنسان بالاستفزاز، أم أنها صفة شيطانية لا يجب أن ترتبط بالبشر كما ذكرت في القرآن:
“وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا”.
تتقوقع أحياناً على نفسك رافضاً فتح مجال للحديث معك، أو حتى عنك!، بل ومن أجلك كذلك لكي تكمل وتحقق التركيز المطلوب للقيام بمهمتك كما يجب، أو ربما كرهاً في زيادة البؤس الناتج عن الدوائر السالبة التي تطوف حولك، فتكون العزلة هي الحل بعيداً عن التعقيد!.
ربما تعتقد أن ذلك هو التوحد !
وربما هو ضرب من الجنون !
وأحياناً هي حماقة !
وعلى الأغلب هي جيدة !
ربما لست كثيراً ما أخرج وأتعرف على الناس وأكون صداقات تستمر لفترة طويلة، وقد تحصل ولكن اللقاءات ليست منتظمة ولا متقاربة بالمرة، وقد تظن أنني بذلك أعاني من بعض التوحد أو الأنانية وحب الذات، وربما بعضاً من الكبر !.
في الحقيقة ليس من الكبر أن يحب الإنسان نفسه مالم يحتقر آخرين، وكذلك الوحدة ليست بالضرورة أنانية، إذ إن امتلاكك قدرة ضعيفة على التأثير قد تشكل حجر الزاوية في العلاقات بين الناس وبين أفراد المجتمع الواحد، بل والأسرة الواحدة، وخذ لديك أمثلة كعدٍ الرمل أو ما يزيد.
تُعرّف علوم البيئة بأنها ارتباط بين المكونات الحية والغير حية التي تتفاعل فيما بينها إيجابيّاً (وسلبيّاً من وجهة نظرنا)، وهكذا فإن كل جزء في البيئة المحيطة يقوم بتفاعل ما مع محيطه ويؤثر عليه تماماً كما تؤثر الجمادات في بعضها، والأحياء في نفسها.
كما أنه ليس بالإمكان أن يبقى الإنسان في زاوية فكره أو محرابه أو حتى غرفته متقيداً بما تمليه عليه طبيعة ما حوله، أتعرف ما هو الروتين؟، هو فعل نفس الأشياء في نفس الأوقات بلا أي فائدة أو غاية، أو بلا استياء من التكرار.
لست متناقضاً، ولكني كذلك لست راهباً إذ ليس بإمكاني أن أنعزل عن العالم، من أين سآتي بإلهامي إذن؟!.
وهكذا أحقق التوازن بين القدرة على الاختلاط بالناس بقدرٍ معين، ثم أعود لمعملي لأحلل الأخطاء لأصلحها وأرصد الميزات وأطورها، إذ لا خير في مخالطة بلا تعلم، أو خطأ بلا فائدة.
لا يعني ذلك أنني أعيش في جلباب صديقي أو بؤس حياتي ببعده، ولكن ذلك يذكرني بمبدأ بين البينين الذي ابتدعه المرجئة حين قالوا في مرتكب المعصية أنه مهما فعل فلا يكون مؤمناً، وكذلك ليس كافراً وفي الآخرة هو في النار !.
وجه الشبه هو في المخالطة بالقدر الذي يكفي لملئ فراغ الصدر والفكر، فكما أنه ليس بإمكانك البقاء بعيداً كثيراً، فإنه من المستحيل أن تستمر ملتصقاً.
ومن ثم خرجت علينا تقليعة جديدة بنعتي بالكبر والتعالي، فأصبح ذويّ وزملائي ومدرسيّ وبعض ممن لم يتعاملوا معي سابقاً يقولون:
“ماذا بك تغيرت؟ لقد كنت متواضعاً ولين الجانب وطيب القلب، وحنون ولطيف و و و و …”
بقي أن يصرّحوا أني أصبحت فرعوناً، بمنطق ما أريكم إلا ما أرى، وتاج الكوبرا وتسلط موسوليني!، وربما اتهمت باتهامات من ورائي إذ لا أكون حاضراً لأُتهم بدليل.
وهكذا تستمر النعوت بالظهور، وكلما ازدادت النعوت ازدادت قناعتي بمكانتي وإمكانياتي بإحداث الفارق وصناعة الحدث، إذ ترتبط النعوت والاتهامات بمدى تأثيرك على محيطك، ويشبه ذلك المسمار الذي ينسلُّ خلال كتلة الصمغ المليئة بالمسامير، فتجد أن الصمغ يتشبث به أثناء خروجه ويظل يتشبث به ليبطئ من حركته ولكنه ما زال مستمرّاً في النضال لتخلص من تشبث الصمغ، حتى إذا خرج من فخه صنع اسطورته، وبقيت المسامير الأخرى تثبت الصمغ ولا يحدث التغيير إلا بانتشال تلك المسامير من تراكم فضلات الأفكار وأوحال الجهالة.
..
تمثل المسامير عقول البشر، والصمغ ثقافة العادات والتقاليد التي تقيدهم، فإن أرادت المسامير الخروج سريعاً لابد أن تحمي جسدها بالزيت لتخرج سريعاً، وإذ إنه من المستحيل أن تضع الزيت بداخل الصمغ فبالتالي قلة من الناس هم من يستطيعون الدخول والخروج بسلاسة من هذا المستنقع، الذي يمثل فيه الزيت دعماً خارجياً.
ففي المجتمعات المنفتحة والمثقفة لا توجد لديهم كتل صمغية فكرية كما لديناً، نحن نملك أصماغاً وأصباغاً وأوحالاً نتنة تنبئك بمدى الجهل وانعدام الثقافة وتعطيل العقول بداخل تلك الكتل الصمغية البائسة.
وهكذا تفشل مغانط العقول من جذب هؤلاء حبيسي الصمغ المعزولون عن العالم، فلابد من انتشالهم يدوياً وشخصيّاً والتعامل معهم حسب كثافة أصماغهم.
..
أمل أن يبدأ التغيير ممن هم خارج الكتل المجتمعية، إذ إن هؤلاء بالداخل ستبقى بعض الأفكار الجاهلية البائسة، وقد يكون استسلامهم وشيكاً مع كثرة العوائق فإحداث التغيير يحتم على القائد أن يكون متزناً داخلياً، ومقتنعاً تماما بفكرته وعلى أتم الاستعداد لشرحها والدفاع عنها بشراسة طالما هي صحيحة.
..
ربما يفترض بنا أن نسأل لماذا يتمكن الجهلة من إحداث تغييرات؟
ببساطة لأنه من السهل أن تتدحرج كل الإطارات للأسفل، بينما ليس من الطبيعي أن تدور الإطارات ذاتها باتجاه الأعلى إلا إن صعد أحدها ليجذب الآخريات.
تجد أن كل من يحدث تغييراً سلبياً يصفه المجتمع على أنه شؤم ونذير سوء في حين أنهم يذهبون في أثره أفواجاً!، وحينها تتساءل من المخطئ؟، أهم القطيع؟ أم هو القائد؟.
وبالطبع تتراءى لديك إجابة وحيدة، هي أنهم هم القطيع، وهم البؤساء، وهم الإطارات السوداء المتدحرجة من سفح الأمم إى وادي الخبث والجهل!، إذ لا يكون أن يكون صاحب الباطل قائداً وإن ادّعى اتباعه ذلك، وكذلك إن ادعى ونادى بعبقريته وحنكته، إذ لا يعدو فعله فكاً لحاجز الأخلاق ليدحرج الأمة ابتداءًا من شرارها.
أما إن كان التغيير إيجابيّاً فيجب بالضرورة أن يكون هناك قائد ينتشل البقية، يجب أن يكون هناك مثال وقدوة في البداية، عندما يكون هناك من هو في قمة الجبل ويريد أحدهم لحاقه فإنه سيمسك بيد من فوق القمة ليصبحا سويّة هناك، وبالتالي فإن المسؤولية الكبرى والعمل الجسيم يتمثل في ذاك المثال والقدوة، أو لنقل تحديداً “القائد المبادر”، الذي يستطيع التحمل حتى يرقى بالفرد والمجتمع لمستوى أفضل وأعلى من الوعي.
..
إن القائد الذي يلزم الناس باتباعه هو ديكتاتور، والقائد المبادر هو من يستطيع صنع قادة آخرين ومفكرين، ونشر التفكير النقدي الإيجابي ليطور الرؤية الشاملة، ويصنع بدلاً من محور واحد تسقط الفكرة بسقوطه عدة محاور تتحمل وتختص كل واحدة منها بجانب من الفكرة، وهكذا يترابط المجتمع ولا تخسر الفكرة بخسارة صاحبها.
ربما نحن نستصعب بعض الآراء المثالية لخوفنا من الفشل، ولكن لا بديل من ذلك إذ دائماً ما يُنعت الصاعدون إلى قمة الجبل بالمغامرون الغير مسؤولون والجهلة والأنانيون والمتكبرون وكثير من هؤلاء يستسلمون خوفاً من النعوت، مع العلم أن أول من سيحتفل ويفخر به هم هؤلاء الذين اّدعوا بطلان فعله من قبل.
..
..
أنس ماهر
25/10/2013

Advertisements

13 فكرة على ”تحدي الإرادة …

  1. مقال جدا جدا جدا مذهل اخي انس وفي غاية الروعه ، حمستني اقرا مقالاتك بأكملها ، استمر وبتوفيق الخالق.

  2. اذن ينقصنا مبادر شجاع وثقة مجتمع فانعدام الثقه بين المبادر المرسِل والمجتمع المستقبِل ينتج امه متردده بانتاج محدود!
    اسهاب لا يضاف إليه سوى الاطراء ابدعت ياانس بمعنى الكلمه.. استمر!

  3. اكثر ما اعجبنى المقولات دى
    ففي المجتمعات المنفتحة والمثقفة لا توجد لديهم كتل صمغية فكرية كما لديناً، نحن نملك أصماغاً وأصباغاً وأوحالاً نتنة تنبئك بمدى الجهل وانعدام الثقافة وتعطيل العقول بداخل تلك الكتل الصمغية البائسة.
    وهكذا تفشل مغانط العقول من جذب هؤلاء حبيسي الصمغ المعزولون عن العالم، فلابد من انتشالهم يدوياً وشخصيّاً والتعامل معهم حسب كثافة أصماغهم
    ،
    تعليقى :-
    بلاقى الحل و الواقع بين سطورك و المضمون رائع

  4. رائع انس ذكرتني
    بكتاب انتوني الثقه التامه بالنفس
    اغلب البسطاء يخافون يفكرون اصلا بالتغيير ومايتجرؤن حتى يفكرون
    كيف اتغير !
    معن العادات غير عادله
    وماهي عاجبتهم
    بس يفضلون الحديث عن سوء الحدث بدل عن كيف اتخلص من هالعادات السيئه
    تعايشو مع الموضوع وكأنه شرع فرض ومستحيل يتغير
    هذا بس بدائرتهم الضيقه اللي يشوفون فيها الحياه
    ويستلمون للحدث والاكثر سوء يحاولون يفرضون سلبيتهم على اللي حولهم
    واللي فيه ايجابيه او نظره مختلفه عن نظرتهم
    بيكون غبي او لايفهم الحياه بنظرهم
    ويحالون اسقاطه اذا خضع لهم واتبع تفكيرهم القطيعي
    راح تستمر الحياه روتينيه ممله ومتبع لهم
    بعكس لو فكر يتغيير احداث جميله
    وحياه متجدده ومتغيره
    التفكير بالتغييير بوجهه نظري هو بدايه التغييير

    انس مقالك رائع عجبني تشبيه المسمار بالصمغ
    وبرجع اقراه ابي استوعبه اكثر ♡
    واهنيك على استرسالك المميز

  5. مقال رائع جدا جدا ..أجزلت فيه ما يحدث حتما في المجتمعات وخاصة العربية .

    أول ما قرأت لك أخ أنس .

    باركـ الله فيك ،، وسدد المولى خطاكـ.

  6. رائع أنس
    أحسست هذا المقال فى هذا التوقيت تحديدا ” رسالة من الله لى ”
    جزاك الله كل خير وجعلك له كما يريد ورفع قدرك فى الدنيا والأخرة .

  7. غالبا اصل الى القمة بالإستفزاز فالمدح يؤثر سلبا على تفوقي : ) باستثناء الدعم فهو عامل رئيسي لنجاحي
    بالعامي “إدعمني ونت منثبر” او ادعمني مع قليل من بهارات الإستفزاز ..فذلك سيجعل من الطبخه لزيزه ومتكامله : ))

    مايعجبني فيك هو (فرعونيتك) المختلفه بالمعنى عن مايقصده البعض … او بالأصح .. إبداعك الفرعوني 🙂

    رائع.

  8. رائع .. مررت ببعض ما ذكرت .. ولكن ربما أكون تأثرت فتوقفت بل و تراجعت ..
    .. اســتـمــر.. أراك تتنقل من نجاح لنجــاح .. بالتوفيق

  9. دائما وأبدا تذهلني طريقة طرحك
    من أراد القمة حقا وصل إليها ف إن جاذبية الأرض شديده ..
    أما الفاشلون والمتهيّبون من تسلق الجبال لا يجيدون سوى رفع اصواتهم بالنعوت قدر المستطاع فطريقة تعاطيهم مع فشلهم مشابه لطريقة تعاطي ابليس مع طرده من الرحمه وايجاب النار عليه ..
    بورك الفكر يا أنس ومن حسن إلى أحسن إلى الأحسن يارب ^-^

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s