اتركوني وحدي …

اتركوني وحدي …
لست أجد فيما أعلم من الناجحين من نجح بأصدقائه، إذ إن تأثير الصديق يكون في العادة سلبياً على قرينه إذا نظرنا إلى الفوارق الفكرية الكبيرة عادة، وإن حدث وكانت صغيرة، فإنها تبقى غير متوافقة.
بادئ ذي بدء، أنا لا أملك أصدقاء، لذلك أطلق على كل من أتعامل معه دوريّاً صفة زميل، وأضفت وصفاً جديداً حين سألني أخي عمّا إذا كانت سمعتي تجلب لي صداقات جديدة، فأخبرته بأن أقرب الأشخاص لي أدعوهم زملاء مقربين، فأنا لست أصلح للصداقة، كون الصداقة تقترن دائماً بالهدوء والاستقرار، في حين أن تكويني ليس كذلك، وربما لا أجد ما ينقصني لدى أحد فأكمله، ولست أرغب في اهلاك أوقاتي في الحديث الذي لا طائل منه، أو على أفضل الأحوال أن أبقى صنماً في الزاوية !.
وفشلي في إثارة المواضيع الجديدة هي ما يعزز من ثقتي بأن البقاء وحيداً خير لي، فغالباً إذا كونت صداقة سأنهيها مبكراً، لأن ما سيترتب عليها يجعلني أرفض الفكرة برمتها محتفظاً بعلاقة طيبة مع الجميع.
..
تغنّى البشر بالصديق ورفعوا مقامه وهيّبوا سلطانه، ولم يحذِّروا منه رغم إتيانهم من قبله.
دائماً ما يغير المنطوي من واقع المجتمع، فقوته الفكرية التي لا تتأثر بالآخرين تجعله متمكناً من السيطرة عليهم، ولا بد أن يعجبوا به، إذ إن حالته غير معتادة، لذلك تصرفاته تكون خارج الحسبان، ولتنظر إلى القادة تكاد لا تجد منهم من يملك أصدقاء، لذلك هو شخص ملتزم مخلص، يعرف ماله وما عليه، ولا غضاضة لديه في عرض آرائه إذ لا يحسب حساباً ولا مجال للفساد في عمله، فهو لا يجد حرجاً من قول (لا) إن تدرب عليها بشكل صحيح فيكون أكفأ من غيره في استخدامها.
نعود إلى ما بدأناه، إنه ليس من سبب يدعوك لتقسر نفسك على شخص ما لا تستسيغه، مهما كان المسمى فإنه فعل مشين على المستوى الشخصي والاجتماعي، لذلك يتكاثر النفاق !.
عندما تقرر السفر إلى مكان ما، هل تبدأ بالبحث عن المسافرين لتضمهم إلى رحلتك، أم تكتفي بما ستجده في طريقك، وفور انتهاء الرحلة يذهب كلٌ إلى حال سبيله، إلا هؤلاء الذين قد لا تلتقيهم سوى مرة واحدة مصادفة!.
بالطبع لن تقف على بوابة المطار تبحث عمن يرافقك !، ولكنك ستنتظر حتى يستوي الجميع في الطائرة ليكون بإمكانك إيجاد طريقة لتحتفظ بمن بجانبك أو تغير مقعدك، ولكن لا تبدأ بالصراخ (من يصبح صديقي) إذ حينها أنت لست على طائرة، ولست هناك لتسافر!.
هكذا هي الحياة، كلها رحلات وسفر يعيش كل إنسان تجربته الخاصة، بطريقته الخاصة، ولا يشاركه أحد نفس اللحظات كل مرة، لأنه هو من بدأ الرحلة، وهو من يجب أن ينهيها.
مجرد البقاء في تلك الرحلات هي بشرى جميلة بأن الطائرة تعمل على أكمل وجه، ولكن حقيقة لا تستطيع وصف ما يشعر به في آخر لحظات حياته، التي تكون قصيرة إن كان ذكيّاً بما يكفي ليجعل أثره يوضع سريعاً ليبقى طويلاً !.
..
نعود إلى الصديق ..
وإن كان لابد من الاختيار بين الوحدة وصديقٌ سطحي، فإن الأفضل هي الوحدة لثلثي الزمن، وأما إن كان صديقٌ عبقري، فإذن يصبح لدينا ثلاثة أرباع الزمن في الوحدة، أتعلم لماذا ؟
صديقك السطحي سيجعلك تنظر للأمور ببساطة، وستؤثر بساطته عليك في جعل أفكارك أكثر فاعلية وقابلية للتطبيق.
في حين أن الآخر العبقري لن يزيدك إلا تعقيداً، ولكنه يملك كثيراً من الحكمة لتجعلها تتوازن مع بساطة فكرك البناء.
لطالما حذّرنا أعضاء السلك التعليمي والتربوي خصوصاً من أثر الصديق، وحيث أن أقوالهم غير مقبولة بالمرة، إذ إنهم يحذرون من الوصف وليس من السلوك !، فيقولون (احذر من صديق السوء)، ولم يتحدثوا عن كيفية فعل ذلك، أو اقتضبوا كثيراً في الحديث عن ذلك، مما جعل من فكرتهم المشوهة ملوكة للألسن، فلا هي تبلع ولا هي تُلفظ !.
ولننظر إلى طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التحذير من الناس:
(( إِنَّمَا مَثَلُ الجليس الصالحُ والجليسُ السوءِ كحامِلِ المسك، ونافخِ الكِيْرِ فحاملُ المسك: إِما أن يُحْذِيَكَ، وإِما أن تبتاع منه، وإِمَّا أن تجِدَ منه ريحا طيِّبة، ونافخُ الكير: إِما أن يَحرقَ ثِيَابَكَ، وإِما أن تجد منه ريحا خبيثَة ))
..
فهو جعل الأمر يعتمد عليك في تقبل الناس، فمن تستفيد منه وتزيدك مجالسته، أوصيت بالقرب منه، ومن لا يزيدك إلا حمقاً وتلوثاً لنقائك أوصيت أن تلفظه وتتركه.
ولا يتعلّق ذلك بأمور الدين والعبادات وحسب، إنما هو أسلوب حياة تجعلك تختار كل من تقابله مجدداً على أساس مقدار الفائدة في المرة الأولى، ولتترك ما يردده الناس حتى تقف بنفسك على الحال، لتكون مقتنعاً بحسن وسوء المآل !.
إن الصداقة أقوى روابط البشر قاطبة، لذلك عندما تريد إنجاح علاقتك مع ابنك فلتصاحبه، وكذلك الزوجان يجب أن يكونا صديقين قبل أن يكونا عشيقين، وهكذا…
بل وحتى فيما يتعلق بالعمل، يجب آن تصاحب ما تفعل، صديقي كتابي، صديقي مكتبي، صديقي مشروعي !، وهكذا نستمر في تحقيق الإنجازات نتيجة للصداقة والمنفعة المتبادلة بين الأطراف.
..
إن الصداقة تضحيات، وحبٌ ومعجزات، وتوارد أفكار، وإكمال عبارات، وانتقاد مباشر، فلم تُشتق الصداقة من الصدق جدلاً، ولا عبثاً !، إنما هي أصل اللفظ وصميم المعنى، إذ لا نفاق في الصداقة، وإلا لأضحت الأمم تقتل نفسها بنفسها !!.
إن قوانين العالم تُجرم التستر على المجرمين إلا أقارب الدرجة الأولى، وهذا مما يعاني منه المجرمون إذ لا يجدون من يحتويهم في أسرهم لذا تندر حالات التستر العائلية.
تنظر في الحروب، فتجد أن العابر في خندق يُسأل، أعدوٌ أم صديق وليس (حبيب)، إذن فعكس العدو هو الصديق، وليس الحبيب !.
لست أتغزل في معنى أجده لا يتوافق كثيراً معي، فالصداقة تجمع روحين على سفح جبل، وفي حالتي هما لا يبقيان معاً إطلاقاً، فأحدهما بالأسفل والأخرى بالأعلى !.
..
..
أنس بن ماهر لبيب
9/10/2013

Advertisements

14 فكرة على ”اتركوني وحدي …

  1. أُخالفك في بعض النُقاط

    لكني أشاركك في نقاط كثيرة وبالذات في المقطع الأخير
    كان مقطعاً رائعاً

    كُل ماعليك أخ أنس هو الإستمرار من قلبي أقول لك “استممر” .

  2. أخالفك الرأي..فالصديق إن أحسنت اختياره..وث وصدقت بشعورك اتجاهه..إن اعتبرته الأقرب لك..سيكون أفضل بمئة مرة من االوحدة القارصة..أن تتقاسم أفكارك..لحظاتك..سعادتك..وحزنك..مع صديق صدوق..هذا يعني أن رحلتك باتت أجمل وأسهل..
    وليس الصديق نقصاً تكمله..إنما هو روح أخرى تتآخى مع روحك..لتنتج أيام أسعد وأسهل..ولن يؤثر سلباً على فكرك..بل إن العاطفة والشعور..سيجلبان لك..خير الأفكار..وأنقاها..بل وستتفاجئ مما ستمتلك من إبداع..بلون آخر أقرب للحياة..
    ^_^…بالتوفيق..

  3. أتفق معك بالرأي , وأعلم أنك لا تنتظر من يوافقك او يخالفك في الرأي , فشخصٌ كتبَ مثل هذه الكلمات عن هذا الموضوع تحديداً , ليس في انتظارمن يوافقه او يخالفه .. رااااائع استمر
    ___
    *بالمناسبة الموضوع ده كان عامل لي مشاكل معينة مع من حولي وبدأت أشك إنّي علي خطأ .. ثبّتني علي موقفي , شكراً لَـــــك 🙂

  4. اتعلم ياانس النبيل اتمتع برؤية الاصدقاء
    لكن من اكبر معايير الصداقه الحقيقيه بنظري
    “من سأختار صداقته سأبوح له بكل شيء “وانا أؤمن بأن في القلب احاديث خلقت بداخله لتدفن داخله لهذا فشلت في تكوين صداقه حقيقيه وان كنت اطلق هذا المسمى على الكثير!!
    انا لا الغي احتياجي لهذه العلاقه لكن مع الاسف اجد بأن معياري صعب !!
    متصالحه جداً مع نفسي لذلك اجد ان صداقتي لن تتعداها!

  5. انس
    الاصدقاء يشكلون جزء كبير في حياتي
    رغم بساطه افكارهم
    الجلوس معهم يجعل عقلي صغير جدا
    او اضطر الى تصغيره لكي يتناسب مع تفكيرهم
    لأن افكاري لاتعجبهم ولايستسيغونها
    او يجدونها مستحيله ويسخرون منها
    حتى بت احتفظ ب افكاري بنفسي
    واهتم بها لدي صديقه جميله كريمه بتفألها
    اتطور واطورها معي
    لكن لاتضيف لي شيئ
    اطلاقا
    كل من اعرفهم انا التي تضيف لهم
    في المعرفه
    ابتعد عنهم قليلا ثم تعيدني الوحده لهم
    واجلس معهم ليفرغ عقلي
    ثم اسئم منهم وابتعد من جديد
    من فتره بسيطه فكرت جديا
    اما صديقه بحق
    او وحده جميله استرد بها ذاتي واطورها
    ويبقى التواصل فيما نشترك به فقط
    دون ان يأثرو على حياتي
    تعلم
    ما الاجمل في الصداقه
    في كل مرحله او عمل او مشروع
    ان يكون صديقك منافسك
    تتعلم منه وتعلمه
    وتخشى منه ان يغلبك
    والاهم من ذلك ان تكن له محبه
    تدفعك مشاعرك وقوته في تقدمك

    الصداقه ي انس شيئ مهم
    لي ولكل انسان
    هي ابتسامه الحياه ♡
    رزقنا واياك الصحبه الصالحه
    وشكرا لك

  6. اتفق معك أن الوحده خير من صديق سطحي و أظنك لم تعدد اﻻصدقاء فمنهم المصحلجي و المنافق والثرثار والمتحكم في صديقه والمثير للمتاعب و غيرهم الكثير .. بالنسبه لي أنا ﻻ أتحكم بصداقاتي واترك الباب مفتوح لمن يريد مصاحبتي بشرط إﻻ اتعمق فيه كثيرا وإﻻ أكشف اسراري لديه ..

  7. الصديق بعض الاحيان يكون ذات منفعة كبيرة وكبيرة جداً , وبعض الاحيان يكون جانب سلبي في حياتنا .. عموماً أبدعت يَ أنس .

  8. دعني اخبرك شيئا..
    العلاقات السطحيه هي الأسلم “دائما”
    لابأس ان تتخذ صديقا لكن لايعني أن تمنحه صندوق اسرارك واغلب اوقاتك !
    حتى الصداقة حينها ستكون أجمل ولمدة أطول ..
    لن يفهم نفسك اكثر منك ..لذا
    صادق إن أحسست أنك مستعد لذلك ..
    وكن صديق نفسك دائما !
    *حكمه لاتينيه*
    من كان صديق نفسه اصبح الجميع اصدقاءه

  9. ليس دائماً للصديق تأثير على صديقهه ، لأن هذا يعتمد على قوة العلاقه بينهم ..
    ولكن دائماً للأخ تأثير على أخيه ، لذلك بعض الصداقات لاا نسميها صداقهه بل اخوه ..

    الإنسان لا يستطيع ان يعيش وحيداً ، لابد من تكوين الصداقات ..
    ولكن رغم ذلك ، نحن لا نربط مستقبلنا وامور حياتنا بهم ، ف نحن نستطيع تدبير امورنا وحدنا ولكن نحتاج احياناٌ للإستشاره ..

    صحيح ان الانسان لا يستطيع ان يعيش وحيداً لابد من تكوين الصداقات والعلاقات ، ولكننا نستطيع ان نتخذ قرارتنا بدون اللجوء لصديق ، نحتاج احياناً ان نعيش وحدنا مستقلين بدون اصدقاء ، ولكن لاا نستطيع العيش طوال حياتنا بدون اصدقاء ، فقد يكون الاخ صديق ، والام صديقهه ، والاخت صديقهه ، والاب صديق ..

    موضوعك جميل ، سعدت بتواجدي هنا اخي العزيز ..

  10. كلامك سليم ولكن طبيعتي النفسيه
    تأبى أن أعيش بلا صديق . . .
    صديقتي وإن لم تشاركني أفكاري
    فأنا على ثقة أنها لن تسطحها لي .
    انطوائيتي ووحدتي تقودني أحيانا
    للكآبة والانغلاق وانعدام الثقة بالغير
    أحتاج إليها من بعد الله لتفتح النافذة
    وتجدد لي هواء غرفتي وتدخل إلي الضياء ، بصعوبة حصلت على هذه العلاقه لانني حقا كنت انتقائية حذره والحمد لله أنني حصلت عليها ف غيري يقضي العمر بحثا عنها ..

  11. اتفق معك ف بعض النقاط واختلف ف اخري ,
    اتفق انه من الصعب جدا ان تختزل كل من تعرفهم ف صديق واحد مقرب , فانا ايضا اجد صعوبه ف هذا ولا استطيع ان اطلق ع احد صديق الا اذا كان فقط من باب الاعتياد , فالصداقه اصبحت صعبه ليس لاختلافك فكريا عن من حولك وان كان هذا سبب , ولكن لعدم وجود من يفهمون ويقدرون المعني الاسمي لها , يفهمون انها حب ومعجزات ودعم , ولكن لابد ان تجد شخصا او اثنين او ثلاثه يكتمل بهم جزءا كبيرا من فكره الصديق , اشخاص وان لم يستطيعوا ان يوافقوك فكريا فسييدعموك قدر استطاعتهم , اشخاصا يستحقون ان يرتقوا الي مكانه اعلي من الزميل المقرب .
    لابأس ان كانت فكرتك عن العلاقات مختلفه , ولكني مازلت اصر علي ان الصديق شيئا مهما ف حياه كل شخص كمعني حتي وان لم يكن له وجود ف الواقع ! .

  12. صديقك من صادقك لا من صدقك , الصداقة كلمة صعبه ان تطلق علي اي شخص , ليس كل الاشخاص المقربون اصدقاء مثلما ذكرت
    الصديق يعين على الخير وينتقد في حال الشر والخطأ , صدقني هناك اصدقاء لكن كيفية او معايير اختيار الصديق هو ما نحدده نحن وفق علاقتنا مع الاخرين و وفق ما نعرفه من مفاهيم حول الصداقة .. 🙂 ,, مقال جميا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s