الفراعنة وأمة كونفشيوس، صراع الحضارات …

الفراعنة وقوم كونفشيوس ! …
انتهيت من علم التحنيط مبدأياً، وللصراحة فإن كل جملة كانت تزيد من تقديري لهؤلاء القوم!
قبل أكثر من 5000 عام بدأت حضارة الفراعنة بالازدهار، وإن كانت على ذلك القدر من الشهرة آنذاك، إذ كانت المنافسة تنحصر بين ثلاث أمم هي:
الصين، وحضارة الحصن.
مصر، وحضارة الهرم.
اليونان، وحضارة الأبراج.
فالصينيين أوتوا حكمة العمل، فولدت لديهم ألعاب القتال وطورت، وبنيت لديهم الحصون وأحكمت، وبناءًا على ذلك دونوا استنتاجاتهم التي أتتنا فيما بعد على شكل حكم، وغالباً ما يكون التعبير في حكم الصينيين يفتقر للبلاغة، وهذا ما يشهد للعرب فيه براعة.
“سون-تزو” أو أشهر قائد عسكري في شرق الكوكب، هو من قدم للعالم كتابه “فن الحرب”، وحقيقة أجد اسلوبه مزدحم كثيراً ولكن أفكاره واضحة، خصوصاً إن علمنا انه دون خلاصة تجارب عمره كقائد عسكري، ولم يكن يقرأ المستقبل، بل هو يشرح الماضي!.
المتأمل في حضارة الصين يجد جوانب رائعة بنفس القدر الذي سيجد فيه ثقوباً سوداء ما زالت تبتلع الشعب الصيني حتى الآن، ربما خرج اليابانيون من قفص الاتهام ولكن الكوريون لا يزالون يحملون أفكاراً عفا عليها الزمن!.
وإن كان للاستعمار مساوئه، الا انه لولاه لما كانت أمة الصين لتنهض إلا بشريعة جديدة أقرب للعقل من خرافاتهم وأباطيلهم.
الصينيّون لا يحترمون الإنسان بالمرة، وعزز من ذلك الكثافة السكانيّة العالية كسبب ونتيجة في نفس الوقت، إذ يؤدي عدم احترام البشر إلى انتشار الدعارة والأطفال غير الشرعيين، وبالتالي تزيد كثافة المجتمع، ولذلك يتم التخلّص من أي شخص بلا مبالاة.
وليس أدلَّ على ذلك من طقوس الدفن السماوي الذي ترمى فيه الجثث للضواري اعتقاداً منهم بأن الروح تنتهي تماماً بانتهاء كل اثر للجسد، ولذلك تجدهم يساعدون الضواري على التهام موتاهم.
وخذ التتار لديك مثلاً، إذ أكلوا الأخضر واليابس في طريقهم للسيطرة على العالم، ضمن فصول الاعتقاد الصيني وقومية “تشي” و”يانغ” التي تقضي بأن الأغلبية تسيطر على الأقلّية بالدم !.
فبدلاً من الضحية هناك عشرة، وليس من الصعب أن تحصل على مأجور ليواجه أحكام القانون عنك !.
نظام الصينييّين يفتقر إلى الجمال، وهذا ما تثبته وتعززه رؤية طرازهم المعماري الذي لجؤوا إليه اضطراراً خصوصاً وأن طبيعة البلاد كتيرة الكوارث الطبيعية هي ما تحتم عليهم بناء منازل سريعة البناء وغير مكلفة.
ومن هنا اقتبست افكار هذه المنازل لتستنسخ بطريقة أكثر أوروبّية لتكون أمريكيّة، وحيث إن البناء في آسيا اعتمد على الخشب، وفي افريقيا اتخذ الطين، وفي أوروبا استخدم الحجر الطبيعي، وهكذا تستطيع معرفة تفسير قصة الذئب والخراف، إذ رمزت لقوّة الأمة الأمريكية والغربية عموماً وعلوّ كعبها على البشريّة، وبثّت هذه الرؤية بطريقة لا يمكن أن يعرفها القارئ للوهلة الأولى.
وإن كنت أكره نظريّة المؤامرة والتشكيك في النّوايا، ولكني أجد ذلك تفسيراً منطقياً، على الأقل هذا ما يعتقدونه وإن لم يصرِّحوا به.
ما جعل الذوق الفنّي في الصين منحدراً، هو أنهم أمة مزدحمة كثيراً ومليئة بالضجيج، مما لا يدع المجال للأفكار لكي تنضج.
وبحكم اهتمامي بالتصميم والاعمال الجماليّة، فإنك لا تجد عاقلاً يعجبه تصميم منتج صينيّ، إذ لا اهتمام بالتفاصيل مما يضعف فرصه بالبقاء.
فهم ليسوا أمة تفكر، بل هم أمة تطبِّق !.
..
أما الفراعنة هم صنّاع الهندسة وملوك التجارب !
إذ كان “ايمحوتب” هو اكبر مهندسي الفراعنة على مر التاريخ، وكان الملوك يقدرونه حتى انزلوه منزلة النبلاء وصنّاع القرار.
“ايمحوتب” هو كذلك احد أكبر كهنة المعابد في مصر القديمة، إذ بإمكانك ملاحظة أمر هام يتلخص في الرسومات الجدارية التي تلخص اللحظات الأخيرة للمومياوات قبيل دخولها العالم الآخر حسب اعتقاد المصريين.

وهناك نقطة هامة، إذ إن الفراعنة لم يعبدوا الحيوانات ولم يألهوها على عكس الاعتقادات السائدة، ولكنهم كانو يمثلون الصفات الحسنة بالحيوانات، فجعلوا حنان الأم برمز البقرة وجعلوا الحكمة والعلم لأبي قردان وهكذا…!.
إذ كانوا يعتقدون بوجود حياة أخرى يحاكم فيها الإنسان على كل خير أو شر قام بعمله في الحياة الأولى، ولذلك تجدهم يجعلون الميت بنفس الوضع والمركز الذي هو فيه أثناء حياته، فإن كان ملكاً فإنهم يعتقدون بأنه يحكم في العالم الآخر كما كان يحكم في الدنيا، بل وحتى حرسه وخدمه يدفنون واقفين بجوار الملك المسجّى على ظهره في وسط قاعة الدفن في كلٍ من الاهرام الثلاثة.
التحنيط، سببه أنهم يعتقدون أن الجسد لا بد أن يكون بحالته قبل الموت لكي يحاكم في العالم الآخر، لذلك كانت الأعضاء الداخليّة تحنّط منفردة ثم تُوضع في أوانٍ بجانب المومياء، أما القلب فيكفن ويعاد إلى مكانه في الجسم.
والكتابات الكثيرة المنتشرة على الجدران في غرف الدفن، هي لتذكير المومياء بماهيتها، إذ إنهم يزيلون مكونات الرأس لأغراض التحنيط، وبالتالي يفترضون فقدان ذاكرة الميت.
ما يدهشك حقاً هو الدقّة في هندسة المباني، وصناعة الأدوات آنذاك، فهي ليست تحفاً معماريّة على الإطلاق، بل هي صروح هندسية متقنة.
ولعلّ أغلبنا يعلم عن النافذة الشمسية، التي يدخلها ضوء الشمس ساعة في كل عام، وهنا نسجل إعجاباً آخر بهذه العقول التي اكتشفت عالمها ذاتيّاً.
..
أما اليونان والجرمانيّون، فإنك تجد لديهم طرازاً معماريّاً فريداً وتصاميم خارقة للعادة، منذ قديم الأزل وحتّى يومنا هذا، لا يزال المعمار الأوروبي شاهداً على الستوى المميز للعقول، ونتج هذا عن لطافة الأجواء، وقلة الكثافة السكانية، إذ اتاح هذا لهم أن تكون طبقة النبلاء في أوجها على العكس تماماً من الصينييّن والذين كانت طبقة النبلاء لديهم تقتصر على الطبقة الحاكمة، وأما البقية فهم من الشعب الكادح نتيجة لارتفاع الكثافة السكانيّة.
وارتفعت نسبة النبلاء في مصر القديمة إذ شكلت ثلث التنوع السكاني تقريباً، كنتيجة لامتلاكهم العلم والمعرفة وبالتالي السيطرة والحكم.
تميّز الأوروبيين في التصميم والجمال لم يأت بين عشيّة وضحاها، إذ لطالما انتشرت الأعمال الفنّية الأوروبية في العالم قبل أن تُعرف في مكان آخر، ولك أمثلة في تماثيل الرومانيين ولوحات دافينشي وألحان بيتهوڤن!.
اعتقاداتهم الدينية وحياة ما بعد الموت كانت أكثر تعقلاً من الشرقيين، وأقل واقعيّة من المصريّين، فأوروبا بحكم سيطرة الكنيسة عليها منذ الأزل كانت لديهم معتقدات كثيرة صحيحة، وإن كانت طالها كثير من التحريف إبان الثورات الفلسفية والمعرفيّة التي اجتاحت الأمم فلم يحتفظ منها بتعاليمه إلا الإسلام!.
حاول اليونانيّون صناعة اكسير الحياة، لاعتقاد طوائف منهم بنكران الحياة الآخرة.
ولكنهم أصلاً يفسرون الموت كعقاب على الأخطاء في الحياة، أو أن الإنسان خلق من التراب لذلك لا بد أن يعود إيه، وكانت هذه المعتقدات سائدة لدى اليهود.
أما النصارى فيعتقدون بأن ذنوبهم تمحى بمجرد موتهم، وهذى ما يسمى باعتقاد “الكبش” والعياذ بالله، فيدخلون الجنة مباشرة لأن المسيح عليه السلام قد حمل عنهم أوزارهم، تعالى الله عن ذلك.
ولذلك تجد أن أوروبّا هي أكثر مكان في العالم غرق في الدماء والأشلاء نتيجة للحروب الناتجة عن الدين، حتى وعوا متأخرين، فلما وعوا أخذنا نضرب بهم الأمثال في التسامح، وهم أبعد ما يكونون عنه.
الحل لا يكمن في الهروب من الواقع، وما فعله الأوروبيون هو الهروب من الواقع لعدم استطاعتهم تحكيم دينهم في حياتهم ومعاملاتهم، وتناسينا التاريخ المجيد للإسلام، الذي لم يُذكر فيه حروب طائفية البتة.
ولا تستطيع اعتبار كل من قال أنا مسلم مسلماً، فمن يدخل الإسلام يدخله بشروطه، وتكون المنة للإسلام عليه!.
فقتال الخوارج والمرتدين ليس إلا ترسيخاً لتعاليم الإسلام التي تقضي بانتهاء الخيارات بعد الدخول فيه، وبالتالي فإن الإنسان ليس مجبراً على الدخول في الإسلام، ولكن طالما دخل في الإسلام مختاراً فهو مجبر على القبول بكل ما أتى به.
..
وتذكر أن أقدم الأمم هي المصرية والصينية، وتليها السومرية والبابلية، ثم حضارة الإنكا والإغريق، وأما شمال أوروبا وأمريكا وروسيا، فلا محل لها من الإعراب، إذ تعتبر حديثة للغاية مقارنة بالآخرين، ولذلك تستطيع الاستفادة من حاضرهم دون التفكير في تاريخهم!.
.
..
أنس ماهر
23/8/2013

Advertisements

11 فكرة على ”الفراعنة وأمة كونفشيوس، صراع الحضارات …

  1. غيابك آتى بإبداع رااااااائع

    الفراعنه .. دقه في الهندسه .. الإخترااااع
    لكن ! أين دقة التفكير في ذلك الاعتقاد عن الحياة الاخرى بعد الموت ؟ الا يستطيع إلههم ان يبعثهم مرة اخرى حتى يساعدوه بالتحنيط؟ ههههههه

    معلومااات جديده وممتعه ومدهشه ايضا
    بانتظار جديد أنس 🙂

  2. ما شاء الله يَ أنس
    برغم انهم الاقدم الا
    ان فيهم عجائب قدرة
    الخالق سبحانه ..
    وامريكا وروسيا و
    غيرهم ممن لا تاريخ
    لهم استفادوا من
    تاريخنا وتاريخ غيرنا
    وسخروه لِـ للحاضر ..
    اولئك ماض وهؤلاء
    حاضر فلنكن نحن
    المستقبل اذن ..
    وفقت اخي لما يحبه
    الله ويرضاه ..
    تحيه عطره 3>

  3. اولا: عوده قويه جدا ومعلومات رائعه بجد (y)
    ثانيا : استفدت ف حته حضاره الصين انا مكنتش اعرف عنها حاجه
    ثالتثا : اللي بيتريق ع الفراعنه ف حته دقه التفكير وموضوع البعث بعد الموت … ياريت حضرتك انت اللي تعيد تفكير ف الحضاره العظيمه دي 🙂 🙂 🙂

    • هئه ..انتي فاهمه غلط ي ستي
      بصي انا ئلت ايه ؟ قلت حضاره مذذذهللله بس استغربت كيف عقول مبدعه زي كده بتبئى غبيه في الاعتقاد ده ! بس لازم اخد من حضرتك رايك باعتقادهم بالحياة الاخرى 🙂

  4. موضوع إستمتعت بقرائتهه جداً ..!
    وأدركت حالياً ، الإجابةة التي أردت معرفتها من خلال سؤالك ” مالفرق بين حضارة الفراعنه ، وحضارة الصين ” ..
    حقاً كنت أجهل الإجابةة التي أردت سموك معرفتها ..
    والآن ادركت ما مفهوم قصدك بالحضارةة ، والفرق بين حضارة الفراعنهه ، والصين ..

    + شكراً لإعطائي فرصه قراءة حروفك الرائعه ..

  5. شكرا أنس ، تدوينة جمعت بين المعلومة والأسلوب الأدبي الجميل السهل وطريقة السرد حقا تجعلك تتابع القراءة 🙂

    دائما السنن القدرية الكونية تفرض نفسها ؛ فالمشترك بين الحضارات الثلاث وجود الطبقية خاصة طبقة الحكام والنبلاء.
    فما إن غابت السنن الشرعية أتت السنن الكونية ؛ فمجتمع صدر الإسلام كمثال أعملت فيه السنن الشرعية فقلت السنن الكونية كوجود الطبقية.

    * وبالنسبة لحضارة الفراعنة في معتقد الحياة الأخرى بعد الموت فقد يكونوا تأثروا بموروث الأمم والأقوام – المجاورة والتى استوطنت أرض مصر – من الوحي الإلهي الذي ناله التشويه والتحريف خاصة على أيدي بني إسرائيل واليهود.

    * أما الصينيون فنعم أتفق معك في عدم احترامهم الآدمية لما ذكرت من أسباب ، وهذا يظهر فيهم إلى العصر الحديث حيث كانت يُعمل فيهم آلة القمع والقتل بوحشية حتى أنهم أعملوه في مسلمي الإيجور ، ويظهر فيهم طابع الامتهان في معاملة السيد للكادح ، وغيرها من المظاهر.
    وأتفق أيضا في أنهم عباقرة عمل وتطبيق وليسوا في الإبداع كما يتصور ، فتراهم مقلدون أكثر منهم مبدعون.

    ويشترك معهم في كثير من خصالهم أمة اليابان ؛ فهم جدا متقاربون إلا أن اليابان أضحت على صورة أفضل حالا منهم.
    فاليابان ازدهرت في الاتقان وعبقرية التصنيع رغم أن نهضتهم مبنية على النقل والتقليد ولا زالت اختراعاتهم محدودة الإبداع.

    أما أوروبا فقد بنيت نهضتها الحديثة على أنقاض الدولية الإسلامية من علومها بعد أن أنهكتها عصور الجهل والظلام والحروب الدينية الطائفية تحت الحكم الكنسي. ورغم ذلك فإن أوروبا كانت منذ القدم ذات حضارة وازدهار فقد وهبت من النعم والمقومات الكثير.

    مقالة رائعة جمعت شتات الأفكار في تسلسل وترابط وأوجزت ملامح الأمم وسماتها الدقيقة واستصحبت الدليل العام عليها.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s