نقاش خطير …

في نقاش شديد الخطورة …
ولما يربو على الساعتين …
كونه يتعلق بمستقبلٍ ديني ودنيوي لإحدى الأسر التي أعرفها عن قرب ،فالأب الصالح متخوفٌ من ترك ابنه البكر يعيش وحيداً في سكن في دولة دراسته ،والتي يحمل جنسيتها ،وكان يعيش سابقاً لدى إحدى عمّاته.
وحيث أن ذلك الشاب قد يكون متهوراً كثيراً في نظر البعض ،ومتسرّعاً في نظر آخرين ،إلا إنه ومن خلال علاقتي الوثيقة به ،أنه بذرة صالحة ،وفطرته نقية.
على كل حال ،التخوف الأكبر لم يكن من الشخص المعني بالأمر كما هو حجم التخوف ممن قد يتخذها سبة ووسيلة للتشنيع والتقذيع في أمه وأسرته ،كونهم فرّطوا فيه .
من وجهة نظر قاصرة ،كان يمكن أن يؤخذ هذا الأمر في عين الاعتبار لاسيّما وأن هذه الأم قد تأخذ في الاعتبار آراء من حولها كقاعدة للانطلاق منها ،ولذلك كانت الأجواء مشحونة قبيل بداية النقاش.
في الحقيقة ،هذه القاعدة التي تعتمد عليها هلامية ،فلا شكل محدد لها ،وبالتالي فمن الطبيعي جداً أن أرفض العمل بهذا المبدأ بادئ ذي بدء ،وكذلك فعل المعني بالأمر.
أعتقد أن النقاش كان محسوماً لصالحنا (أنا ،والشاب) حيث أننا مقتنعين تماماً بما يجب أن يكون عليه الأمر ،ولكن صديقي لم يكن يمتلك الهدوء الذي لدي ،ومع امتلاكه لحجج قوية ،ولكنه لا يمتلك الطريقة المناسبة للتعامل مع والديه كما يريدان.
دخلت في النقاش مستمعاً لما يعرضونه من تخوفات وآراء ،كان معظمها تصب في بحيرة واحدة ،لا تخرج عن مسمى الخوف ،وبشكل أو بآخر ،لم أكن لأتبع فكرة تخالف معتقدي تماماً ،وإن تزينت بأقوال الحرص والحب والحنان الأبوي ،لذا فقد قررت المواجهة !
بدأت بعرض أفكاري سائلاً إياهم: مالذي يجعلكم رافضين للفكرة ،أعني ما هي مخاوفكم ؟
وجدت إجابة والدته غريبة ،إذ إنها تقول بالخوف عليه من أصدقاء السوء ،ومن الفراغ ،ومن كونه لن يستطيع تدبر أمره بنفسه !
وإذ إني لم أكن لأسجل امتعاضي بقدر موافقتي لأقوالها ،حيث أن لديها قدراً كبيراً من المصداقية ،والحق في التخوف ؛ولكن ليس لدرجة التشكيك في تربيتها !
أباه كذلك ،كان لديه ما يقوله ،ففي حين كان أبوه أحرص ما يكون على مستواه التعليمي المتميز ،دون نسيان أن واجباته تجاه ربه هي أولاً ،وتالياً وأخيراً ؛وكان أبوه أكثر إنصافاً من أمه بحكم ابتعاد العاطفة عن منطق الحكم ،ولو جزئياً.
امسكت دفة الحديث مرّة أخرى ،فسألت سؤالاً آخر مفاده: هل أنتما متخوفان من ضياع تربيته وتنشئته الصحيحة للأبد؟ وهل من المعقول أن هذا التخوف في مكانه؟
ثم استطردت قائلاً: لا بد أن هذه مزحة ،إذ إني أعتقد بوجود نوعين من البشر ،نوع كالشجرة ،وآخر كالنخلة ،وما يجعلهما مختلفان هو أن الشجرة تحتاج لمقدار كبير من الرعاية والاهتمام ،ابتداءًا من البذرة الدقيقة ،وفي حين أن بدايتها كشتلة ومن ثم نبتة وحتى تبدأ أغصانها في تكوين قشرتها الخشبية الصلبة فهي تحتاج لدعامة لكي تستمر في النمو للأعلى بشكل صحيح ،وفي حين أنك لا تستطيع الإبقاء على الدعامة للأبد ،فإن هناك لحظة يجب أن تزال فيه الدعامة وللأبد ،لتصبح قائمة بذاتها ؛وإن عانت قليلاً لتكمل النمو للأعلى ،ولكن على الأقل لن تموت ،ولن تنمو على عوجها!.
على النقيض من ذلك تماماً ،فإن النخلة لا تحتاج لدعامة إطلاقاً ،إذ إنها قائمة بذاتها ،فهي تبدأ كبيرة منذ أن تكون بذرة.
لذلك شبه رسول الله صلى الله عليه المؤمن بالنخلة ،إذ إن اعتماده على الله دائماً وأبداً.
ثم استكملت حديثي مستشهداً بحديثهم حيث قالوا بثقتهم الكاملة في تربيتهم ،ودين وخلق ابنهم ،وقلت: لو أنه كالشجرة لانتهى زمن دعامته ،وحان الوقت ليكمل طريقه بنفسه ،وإن كان نخلة فأصلاًً هو لا يحتاج للدعامة ،والتي هي الرقابة الأبوية والأسرية ،فهو بالفعل أصبح مكلفاً ،ومسؤولاً عن نفسه ،وبالتالي ليس لأحد الحق في قتل حريته !
أضف إلى ذلك أن الفاسد لا يحتاج لإذن لكي يفسد ،ولا يتقيد بأرض ولا بزمان ،فقد يفسد وهو في الكعبة طالماً نزعت خشية الله منه ،وإني لأنأى به وبكما عن الوصول لهذه الدرجة !
.
كأني لمحت إعجاباً من صديقي حين ذكرت ما ذكرت ،فسارعت في اعادة الأمور لنصابها ،فقلت: وإني لأشارككم مخاوفكم حول الحيد عن الطريق القويم ،لكن لا بد أن نعلم أن انحرافه لن يدوم طويلاً ،فمن عرف ربه ،لن يهنأ بعيشه بعيداً عنه ،وإذ إن الإنسان يظل فترة طويلة لا يدري أهو على حق أم على باطل ،فتنازعه نفسه لكي يحدد مساره ،ولكنه يصر على موقفه حتى يمر بتجربة تنزعه نزعاً من موقف الحياد ،فأما الصالح فيعود إلى الصواب ،وأما الطالح فيستمر في الهلاك والانحدار.
فعلياً ،أنا كنت مقتنعاً تماماً وما زلت ،حول حق صديقي في الحصول على الحرّية بعيداً عن ضجيج التجمعات الصاخبة والأنظمة المنزلية المستبدة ،بحكم شخصيته المتمردة ،ونظامه العسكري الصارم ،فلم أشأ قتل هذا فيه ،ولكني وددت أن يكون مقتنعاً حقاً بما أعرضه.
وصراحة ،لا أخفيك أن وضعي في هذا الموقف النقاشي ،يجبرني أن لا أكون على الحياد ،فلا تمييع للمسائل المصيرية.
في نهاية النقاش ،وجدت اقتناعاً رائعاً من والديه ،كوني لم أعتقد أن كلماتي ستصيب ما أصابته ،ولكن الحمد لله على كل حال !
ليلاً ،انطلقنا لنتمشى حول مضمار لطيف ،وكان الغرض من ذلك ،أن أناقشه في نتائج ما وصلنا إليه ،لكي لا يصبح اقتناعه ناقصاً ،ولكي يكون دوره الأساسي محفوظاً ،فسردت له بعضاً من مفاتيح النقاش لهكذا آراء، والتي كانت أهمها :-
– عندما تجد رأياً يعتمد على العاطفة فلا تهاجم الرأي ،ولكن اثن على العاطفة ،والعب على وترهم.
– خذ الأمر بهدوء ،وأظهر تفهماً كبيراً ،ثم تدرّج في عرض مالديك ،على شرط أن تكون مؤمناً بما تقول ،وليس ذرّاً للتراب في العيون.
– اقنعهم بعكس قولهم ،وفند مخاوفهم.
وأخيراً ،فقد كنت مبتهجاً لما صدر مني.
..
..
أنس بن ماهر لبيب
26/8/2013

Advertisements

9 أفكار على ”نقاش خطير …

  1. دعنا نتكلم بشكل مفَصل قليلاً …لستُ ضد المُبتعثين ..ولكني أرى أنه لو استطاع هذا الشخص البقاء في وطنه والعمل فيها لكان أفضل ..صحيح ماذكرته الفاسق سيفسق ولو كان في الكعبة ، ولكن نحن في طور فتن عقائدية وأخلاقية شرسة ، اذن عندما تقارن الضروريات بالمهم فالأهم ..تجد أن الأهم في هذا الموقف هو الحفاظ على ذلك الشاب ، وأنا لستُ أحد إبداعات الشباب لكن لا أظن أن المُعظم سفرهم يكون حاجة ملحة جداً ، وها نحنُ شاهدنه نماذج جاءوا من الغرب بصورة مختلفة ، لماذا ألم يكونوا صالحين ؟ لما يأتون ويسألون أسئلة مثيرة تشكيكية ..أتعلم لماذا أخ أنس ..لأن هذا الشخص الصالح ..لم يكن ضبطه للجامه جيداً هو معتقد بما في قلبه لكنه لم يكن على إستعداد كافً لمواجهة هذه الحرب الفكرية لم يكن مستعداً لعوامل قوية كهذه ، فأول عارض فكري وعقائدي له تجده يحتار تجده تختل موازينه ، اذن اذا توفر في الشاب مايكفيه لردع الحروب الفكرية والعاقئدية عندها اقوله اذهب وانت مرتاحُ البال ..ولاتنسى أن هذه الأمور تحتاج دقة كبيرة أي هفوة قد تقودك إلا مالا تحمدُ عقباه ..السؤال هنا : هل كُل الشباب مستعدين إستعداداً قلبياً وعقلياً لما سيواجهونه من مضادات مخالفة لفكرهم وعقائدهم ومن وسائل إقناع غير مُباشرة هل من كان مستعد فعلى بركة الله ومن كان غير مستعد بقاءه أفضل !

    في الختام دعني أشكرك على مقالك المُتألق وأعجبني كثيراً وصفك لمبدأ الذهاب والإياب حيث كان موقفك نعم أؤيد سفر ابنكم لكن آيها الآباء لا ألومكم وصفك لهذه الأمر كان رائع أخ أنس

    وفقك الله لكل خير 🙂

  2. لقد لعبت على وتر حساس هنا، فأنا أعيش الحالة نفسها للأسف، ربما باختلاف بسيط فأنا مضطر للاغتراب…
    أعيش هذا النقاش عدة مرات في الأسبوع مما يدفعني إلى الجنون، فأي كلمة عائمة في الهواء تصل إلى مسامع والديّ تثير الأمر ونبدأ النقاش ذاته من جديد…

    أكثر ما يعيق تقبل فكرة الدراسة في الخارج هو التخوف من عدم العودة، فأكثر ما أهاجم به -و بخاصة من أمي الحبيبة- هو أن من يذهب لا يعود، و كوني الولد الوحيد لهذه العائلة فإن هذا الأمر أشبه بكابوس لوالديّ و لا ألومهما.

    و تأتي أيضًا أفكار الانحراف و الحيود عن الطريق بسبب اختلاف الثقافة الشديد، نعم هذا وارد و ممكن جدًا، لكنني أوافقك الرأي بأن الأساس الصالح و القوي هو ما قد يحول دون الوقوع في هكذا مشكلة، و هذا ما أدافع به عن نفسي، و آمل أن يمدني الله بإيمان يحميني من هذه الشرور.

    لقد حرمت من وطني يا أنس، و لو كان بإمكاني أن إليه لعدت بلا تردد، و إن لم يكن صديقك في مثل وضعي فلا حاجة أبدًا للمخاطرة، فيمكن لصديقك أن يحصل على شهادته الجامعية في بلده و أن يختص أو يكمل دراسته في الخارج، فينضج في هذه الفترة و يصبح الخطرعليه أقل حدة.

    نحن ضد تصدير المواهب و القدرات فنحن لا شك أولى بها.

    شكرًا لك على الطرح الجميل 🙂

  3. حقيقة كنت مع مخاوف والديه..ولا شأن لعدم الثقه بالأمر..فنحن في زمن مخيف صراحة ..لاسيما وانه فتى صغير

    لكن اعجبني حقا ماقلته حول من عرف ربه …
    فمن وجد في قلبه مخافة الله لن يلبث الا ان يعود للطريق القويم.. ربما حقا آن الاوان كي يعتمد على نفسه ليصبح رجلا قادرا على تحمل المسؤوليه .. بشرط ان لايقطعون الاهتمام به .. ويستمرون بتغذيته دينيا ودنيويا
    فما زال صغيرا ليعتمد عليه اعتمادا مطلقا.

    اهوه ..ردينا هنه ^_^

  4. “و الله العظيم.. انا مبنهره معقول فى حد يمتلك العقليه دى فى السن ده ..ما شاء الله ولا حول ولا قوة الا بالله .. ربنا بيارك فيك يا رب و يحفظك ويعينك على مهمتك فى الحياة لانى بصراحه اعتقد ان الله سبحانه و تعالى لم يهبك هذه العقليه هباءا وانما عليك ان تدرك جيدا ان لك دور و مهمه كبيرة.. بالتوفيق”‏

  5. صادفت ابوين منفتحين مسبقا ربما ازلت الضلاله التي تغطي الرؤيه عن اعينهم
    بعض الاباء المخاوف التي يرونها اقوى من اي مبررات وان تحدثت عن كل المخاوف وطمأنته بشأنها
    يبقى تمسكه برئيه اقوى يخاف وكأنه سيعيش حياه ابنه ويخشى على ابنه اكثر مماينبغي

    لكن محاوله جيده ونتيجه جباره
    جميل ان تتحدث عن حياتك والاجمل ان تساعد احدهم على ان يحيا الحياه

    رائع مقالك بحق

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s