التجربة الأكثر مرارة …

اليوم تحديداً ،يمر عامان على النقلة الأكثر تأثيراً في حياتي !
عشت تاريخاً صعباً للغاية ذاك اليوم الذي يذكر ولا يعاد …
في لحظات تهور كادت أن تكون حياتي ثمناً لها ،ومع أني لا دخل ولا علاقة لي بما حدث ،فلم يكن من الإنصاف أن أكون في موضع المساءلة ذلك اليوم ،ولكن !
أوكل لي أبي مهمة إيصال بعض الأوراق إلى مدينة الدمام ،في مهمة من الفجر وحتى العصر على أقصى تقدير ..
كان ذلك في يوم التاسع من رمضان من عام 1432 ،لم انم طوال الليل كما هي العادة في رمضان …
ثم اصبحتُ ،فإذا الساعة تشير إلى السادسة …
تجهزت وذهبت إلى السيارة حيث كان السائق منتظراً ..
انطلقنا ،وكنت مرهقاً بشكل لا يصدق ،فكنت انام تارّة ،وأصحو أخرى ..
حتى إذا انتصف الطريق ،ظللت أحادث السائق لعل النعاس يجانبه ،ولكن لم أستمر على هذا كثيراً ،حيث أتتني غفوة ،لم اصحو بعدها إلا في وسط الدمام ،اتممت المهمة التي لم تستغرق دقائق ،ثم قفلنا عائدين ..
كان قد بقي على الظهر ما يقرب من الساعتين ،فقررنا أن نرتاح ونغفوا لساعة ،قبل استئناف المسير ..
فلما عدنا إلى طريقنا ،أحسست بضيقة في صدري ،ولست أعلم حينذاك سرها ،ولكنها كانت تحثني على التوقف ،وإما أن شيئاً فظيعاً سيحصل !
لا أعلم حقيقة مالذي دفعني لتجاهل هذا الشعور ،ولكني لم أكن في وعيي ذاك اليوم ..
فلما حان وقت الظهر ،توقف صاحبنا عند أول محطة وجدها ليعبأ وقود سيارتنا ،ونسي وقودنا !
فلما خيّرني بالنزول لأداء الصلاة ،أم استئناف المسير ..
فضلت استئناف المسير ثم جمع الصلاتين ..
رضخ صاحبنا لرغبتي مع بعض الامتعاض ،ولكني كنت مرهقاً حقاً فلم يشأ إزعاجي !
وليته أزعجني !
..
..
استأنفنا المسير ..
وقد كنت نائماً ..
وفجأة ،انتبهت ،وعدلت من جلستي ،وربطت الحزام ،ثم قلت الأذكار ،وكل ذلك بلا سبب ،ربما هي رحمة الله ولطفه بي …
ثم عدت للنوم ..
مرت دقائق قليلة ،ربما هي ثلاث أو خمس على الأغلب ،وكان الوقت ظهراً ..
ولم أشعر إلا بنا نستقر على الجانب الآخر من الطريق ،بعد انقلاب السيارة عدة مرات ..
..
..
انتبهت وكأن أحدهم أيقظني بماء بارد !
ثم قلت له ،ماذا حدث ،قال لي لا أعلم !
تذكرت قبل الانقلاب بلحظات حيث كان نومي خفيفاً كثيراً ،فكنت افيق تارة واغفو أخرى ،تذكرت ان صاحبنا كان ينعس بشدة ،وكانت السيارة غير مستقرة في مسارها ،نتيجة ضعف تحكمه بها ،كانت هناك رمال زاحفة على الطريق ..
وفي لحظة من اللحظات ،كان هو على حد الطريق من الناحية اليسرى ،وإذ بشاحنة تمر بجانبنا ،لتدفع ببعض الهواء ناحيتنا ،مما جعل السيارة تنزل على بداية الكثيب الرملي ،فلما حاول السائق تعديل وضع السيارة وإعادتها إلى مسارها ،عطف المقود بشدة إلى اليمين ،فأعادها بانحراف أكبر إلى الاسفلت ،فاضطر إلى الانعطاف يساراً ليتزن المسار ،ولكن ..
يبدو أن انعطافه يساراً كان قوياً جداً ،حيث بمجرد انحرافه لليسار نزلت العجلتان اليسرتان إلى الكثيب ،ثم ارتطمت بحجر ،فانقلبت بنا عدة مرات ،ثم علقت في الحاجز الحديدي في الوسط ،ثم استقرت أخيراً في الجهة الأخرى من الطريق ..
ومن تقدير الله لنا أن وفقني لربط حزامي ،ولولا الله ثم ذلك ،لما كنت حياً على الأغلب !
فصاحبنا ذاك ،قام من السيارة وبه رضوض وكسور بسيطة جرّاء اصطدامه بالمقود والزجاج ،وأما أنا فقمت معافاً ولله الحمد ..
وفي قيظ الظهيرة ظللنا ننتظر مجيء المرور !
وقد أشارت الساعة حينئذ إلى الواحدة إلا ربعاً .
توقف لنا قوم كثيرون بغية المساعدة ،ولكن لم يجدوا ما يساعدونا به ،سوى الدعاء ،حيث إني ذاك اليوم رفضت الإفطار ،وكنت اتضور جوعاً ،وكدت اموت عطشاً ،ولكني لم أكن لأكافئ الله على صنيعه معي بأن أفطر في شهره المبارك …
وعموماً ،فإن ما مضى صومه قد جاوز ما بقي منه !
أتى المرور في تمام الرابعة عصراً ،بعد أن أكلت الشمس وجوهنا ،وأكبادنا ،ولم يستغرق رفعه للحادث أكثر من 10 دقائق ،ثم انطلقنا لمركز المرور ،والذي لم يكن يبعد أكثر من 1000 متر في أي مقياس !
وجدت الضباط يتسامرون ،وكأنهم ليسوا في جهاد !
وددت حقاً لو أني صليت الظهر في موعده ،ماذا لو متُ وأنا لم أصلي !
هل يا ترى سيغفر لي !
هل ستسوء خاتمتي بعد كل هذا !
اختلجت في صدري احاديث الندم والخيبة ،وكدت اعيد الزمن لأصلي ..
صلينا الظهر والعصر كما كنت أرغب قبلاً ..
قليلاً بعد ،ثم خرجنا بالسيارة محمولة على أخرى ،وكأني في ذلك الموقف حيث كدت أفقد حياتي ،إذ يحمل البشر ،بشراً مثلهم !
ولكن البشر يذهبون بمحمولهم إلى المقبرة ،بينما السيارة يتم إصلاحها !
فقدت شهيتي ذاك اليوم ،ولم تكن والدتي تعلم بحقيقة ما حدث ،وإلا لانهارت ..
فقط والدي وأخي الأكبر هما من علما بذلك ،حتى وصلت إلى المنزل في تمام العاشرة مساءًا !
فاستقبلتني والدتي وسألتني عمّا حدث ،فقصصت عليها الحدث ،فصعقت وتفاجأت وكادت تبكي ،وغضبت لتضليلي لها وعدم ذكري لما حدث إذ اتصلت بي !
فرغت كآبتي حينئذٍ إذ تحممت ،وكنت مشتاقاً للماء !
لم أفطر بعد سوى تمرات من إحدى المحطات في الطريق ،وكم كرهت تلك اللحظات التي شابهت مدخنة تصاعدت من أفواه السائقين ،والتي استمرت حتى باب المنزل ،شرهين جداً يا رجل !
ذهبت للنوم ،وأي نوم !
يومان تقريباً ،وجدتها حجة لعدم فعل أي شيء سوى الأمر والنهي !
ولكن المؤكد ،بأني فعلاً كنت متعباً من أثر الصدمة ..
ولكني أعتقد أنه درس لا ينسى بحق !
..
اللهم جنبنا المصائب دقيقها وجليلها ،وارزقنا شهادة قبل الممات ،والهمنا الصواب دون الوقوع في الخطأ ….
.
.
.
أنس ماهر
22/7/2013

Advertisements

14 فكرة على ”التجربة الأكثر مرارة …

  1. سبحان الله!! ما ألطف ربنا على عباده ، الصراحة فعلاً تجربة مريرة .، أخي الكريم أسلوبك في سرد القصة مرتب منظم جميل وشيّق .، جزاك الله الجنة (اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم)

  2. ماشاء الله بارك الله ،،
    اولاً : اخي أنس ابارك لك المدونه .
    ثانياً : اسلوبك جميل وسلس ، والسرد للقصة كان منتظم ومتناسق مما يوحي بقدرتك الابداعية ع الولوج ف عالم الروايات فكم نحتاج الى قلم مثل قلمك ،،
    دمتَ في رعاية الله وحفظه ،،

  3. في البداية الحمدلله على سلامتك بالرغم من أنها متأخره لكن تقبلها مني ^^

    لديك أسلوب بسرد القصص أكثر من رائع , شدني أن أقرأ القصة بكل حماس
    دمت في حفظ الرحمن :))

  4. هذا من لطف الله بك .. ولا اخفي عليك أن موت صديقتي غير مسار حياتي وجعلني ادرك قيمة أن اعيش لأجل الأخرة وليس الدنيا ..

  5. الحمدلله الذي جعلك اليوم بيننا حياً ترزق 🙂
    وماحدث لك فيه عبره واضحه .
    عموماً ، أسلوبك في الكتابه آسر جداً !
    لا أكاد أقرأ سطراً إلا وانا أتلهّف
    للسطر الذي يليه !
    سرد سلس وبسيط ولك مستقبل
    واعد إن شاء الله ؛) .

  6. الحمدلله على السلامة .. وكما يقولون “تفاقيد ربنا رحمة” , من رحمة الله بك ان وضعك بهكذا موقف لكي تعدّل مسار حياتك , اتوقع انك حالياً كلما اردت تأخير الصلاة تذكرت الحادثه .. فتسارع لأدائها , وبالنهاية احييك على اسلوبك في القص ومترابط الكلمات بوركت اناملك :))

  7. قضيتُ رحلة ماتعة بين بساتينك الطيبة .. وضعتُ عهداً بيني وبين نفسي أن أزورمُدونتك والحمدلله جاء اليوم الذي أفي بهِ .. حقيقة أنختُ مطاياي هنا لأني قُواي خارت بسبب ماحصل وكيفَ في رحمة الله شملتكم في تلك اللحظات .. فتحتَ بمقالكَ آفاقاً رحبة جعلتني أستشعر لُطف اللطيف.. الحمدلله الذي سلّمكم وماكنتم له بمقرنين وإنكم لإلى رحماتهِ وإليهِ لمُنقلبون ..
    مدونة جداً جميلة تستحق المكوث بين حروفها: “)
    تقبل مروري وبارك الله فيك

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s