الحرية والانفتاح …

يقول الله تعالى في سورة الأعراف :
“الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ”
إن الله لم يرسل الرسول ليقيد حرية الناس ،ولا يعذبهم ويثقل عليهم بالتكاليف الشرعية ،ولم يكن الإسلام ولا الرسول ليحد من إبداع الخلق ،بل وسع الرسول صلى الله عليه وسلم مدارك الناس ،وأكمل الله دين الإسلام ،على عكس كل الأديان التي اعتراها نقصان وتحريف !
فهذا النبي الأمي الذي لم يقرأ ولم يكتب طوال حياته ،هذا الذي ذكره الله في كتبه المقدسة التي سبقت الإسلام ،الذي بعثه الله رحمة للناس ،وامتن به على خلقه أنه حفظ أمته من الهلاك بسِنة عامة ،على عكس أقوام هلكوا بالصاعقة ،وأخرى هلكت بالخسف ،وهكذا …
وذكر الله أن من أجل الأعمال اللتي من الممكن أن يقوم عليها صفوة الجنس البشري ،هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ،وهذا الخلق الذي يحث على اجتماب الرذائل وفعل الفضائل ،وإنه ليس في الدين شدة ولا غلظة في الدعوة ،بل هو دين الرفق والتسامح ،ولا يضر الدين أفعال أفراده ،فكأس الماء الملوثة لا تعبر عن النبع الصافي ،سوى في جزء من المسمى !
فأحل الله لنا أعمالاً كانت محرمة على أمم ماضية ،وحرم علينا أشياء أخرى أوجد بدلاً منها كثيراً ،ليعلم الله من يخافه بالغيب ،وحدد انه لا دواء في محرم ،أي إنه لم يجعل دواء مرضنا فيما حرم علينا ،ولم يجعل رزقنا بمعصيته سبحانه ،بل جعل لنا الحلال أصنافاً ،وأشكالاً وألواناً ،ولكن هناك من يصر على تجاوز حدود الله ،زاعماً الحصول على مزيد من الحرية ،وفي الحقيقة ،هو لا يريد المزيد من الحرية ،بل هو فضل الكسل ،والتعاطي في المحرم ،على أن يبحث عن البديل الحلال الطيب ،وهذا له باع كبير في الجهل ،ثم يخرج علينا متشدقاً بالحرية ،وزاعماً أن الله سبحانه يضيق على الناس -تعالى الله عن ذلك- ،فبدل أن يعمل عقله قليلاً ،فضل أن يعطله تماماً !
وكانت على الناس أغلال ،وأحمال كثيرة ،فكانو يعبدون الله في الشدة ،ويدعون 70 صنماً في الرخاء ،وهؤلاء ليسوا أحسن حالاً من النصارى ،فالوثنيون عبدوا الجماد ،أما النصارى فعبدوا أشخاص أمثالهم ،فأتى الإسلام لاغياً كل ما سبقه ،ليجعل العبادة لله وحده …
الإسلام هو النور ،وما عداه ظلام ،ولا يعني ذلك إعلان الحرب على كل من هب ودب ،والإسلام ملة واحدة ،والكفر ملل كثيرة ،فعندما أمرنا الله بالبر لمن حارب الله ورسوله ،لم يكن ذلك ضعفاً للإسلام ،ولكن كم من قطرات ماء متتابعات ،أذابت صخوراً لم تكن سواعد أشد الرجال لتقدر عليها ،إلا بإذن الله ،فأمرنا الله بالتعايش وبذل المعروف والإحسان للناس وإن خالفوك في أصل الدين ،في الشهادتين ،فما بالك بخلافات فقهية بسيطة …
ولاحظ أن الطائفية بدأت تنمو بعد اغتيال عثمانٍ رضي الله عنه ،ولكن لم نسمع أو نقرأ يوماً عن حرب بين طائفتين بسبب خلاف فقهي ،فليس هذا من الحكمة في شيء …
فمقارعة الرأي بالرأي ،والحجة بالحجة ،كانت هي ما ساد فترة عشرة قرون بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ،وهذا ما جعل المسلمون يصلون إلى درجات متقدمة في العلم لم ولن يصل إليها أحد إلا ما شاء الله …
وكانت كلمة السر في ذلك ،هي الاستناد إلى أساسيات العقيدة ،ثم النقاش في الفقهيات ،وليس هجوماً وتسفيهاً للآخر ،ولا إقصاء ولا إهانات لأحد ،ولم يكن أحد ينعت أحداً بطائفة ما …
قال تعالى:
“أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ”
فبعد هذه الآيات ،لم يمنح الله الناس فرصة ليظلّوا تابعين لهيمنة أحد إلّا هو سبحانه ،ولم يجعل الله أفكار الناس مقيدة لعالِم معين ،ولا إمام معين ،مهما علا شأنه وارتفع ،ليظل الله متفرداً في ذاته ،عظيماً ومهيمناً على كل الخلق .
مهما سمعت من شيوخ أجلاء ،ومثقفين وعقلاء ،وآراء أئمة وآراء ،فإنك مأمور في دين الله أن تعمل عقلك ،ولا تستسلم لرأي أحد ،لأن الله لم يخلق أفهاماً متطابقة ،بل جعل لكلٍ بصمته ورأيه الفريد ،وما يطوره ويجعله أكثر قبولاً ،هو البحث والتفكير ،فإن الله لم يكن ليضل من يبحث عنه ،فالله أعلى وأجل من ذلك ،فأنت تأخذ من كل قول ما يوافق عقلك ،لا هواك ،وما يوافق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ،وهذه هي الحريّة فعلاً ،فلا تعصب لإمام ،ولا لمذهب ،وإنما أنت تعرض مالديك ،وترى بضاعة محدثك ،فإن اتفقتما فبها ونعم ،وإن اختلفتما ،فابحث حتى تجد ما يناسبك ،وثق تماماً أن الدين كامل ،والأشخاص ناقصون …
فإن كل الجهل ،هو تبني رأي ،والاستماتة في الدفاع عنه دون إعمال العقل فيه ،وهذا ما يخلق متشابهون كثر ،يشبهون قطيع الخراف ،فهم تابعون لرأي الأقوى ،وليس لهم رأي .
..
..
أنس ماهر
19/7/2013

Advertisements

فكرتان اثنتان على ”الحرية والانفتاح …

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s