الظاهرة الشعرية

 
كلما ضاق الحال يرتفع الأمل ،ويتضاعف معدل الطموح ،ففي المواد الكيميائية مثلاً ،ترى كل السوائل تقريباً دون استثناء ،تراها تتعلق بجدران وعائها كلماً ضاق ،وإذا اتسع فترى سطحه مستوياً .
فأنت كبشري لست أقل من المواد في شيئ فأنت كالسائل ،مرن ولك القدرة على أخذ شكل الوعاء وتتحمل قدراً لا بأس به من الضغوط .
وكلما ضاق وعاء حياتك تشبث بالأمل للخروج من هذا الوعاء ،ها أنا أرى الفوهة قريبة ،لم يبق سوى القليل ،لماذا لا تتشبث بالجدران ،ليس بإمكانك التراجع ،فماهو بالأسفل قد امتلأ تماما ،لقد كتِب ماضيك بالفعل ،تأمل في الأعلى استمر بالتشبث ها أنت تقترب .
هل تعلم ما قد يجعلك في أعلى شجرة الحياة ،وفي أرقى أغصان التجارِب ،وفي أقرب الأوراق من شعاع الشمس المباشر ،إنها الضغوط ،وكلما كانت المعابر أضيق ،كان الوصول إلى الأعلى أيسر وأبسط وأسرع وأسهل ،ويجعل من الماء الواصل الأعلى نقياً ،ومميزاً ،عما يصل إلى أدنى الشجرة ،وهكذا يصنع العظماء ،بالمرونة والتشبث بالأمل ،وجعل أنفسهم كأدق ما يمكن ،ليعبروا ضيق الحال بيسر وسهولة ،وليتجاوزوا مشاكل أكبر ليصلوا إلى القمة ،أرأيت كيف تكون معاناة الناجح .
وإن تأملت أيضاً تجد عجباً ،فلا الصلب تطبق عليه هذه القاعدة ،ولا الغاز كذلك ،فحينما قيل “لا تكن لينا فتعصر ،ولا صلباً فتكسر” ! لم يكن ذاك عابثاً حين قالها ،وهنا تكمن المعادلة الصعبة ،كيف تصل إلى القمة دون أن تفقد قيمتك ،ودون أن تتمزق وتتفرق ،كن كالزئبق دقيقاً وكثيفاً فلا ينفك بسهولة ،وليس كالماء ،من سهل أن يتفرق ،فالاتزان الداخلي هو أهم شيء فحافظ على تماسكك لكي لا تفقد ذاتك .
آن وقد وصلت ،لا تتوقف عند القمة ،ولا تكمل الصعود وحيداً ،فسوف تعاني من قوة الرياح ،ولكن احرص على الحصول على رفقة جيدة ،ممن هم على القمة ،واخلق جذوعاً لنفسك ،وأغصاناً أكثر ،ثق أن هناك يوم ستصبح فيه في مكانة متوسطة بعدما تموت ،فحاول أن تصل إلى أعلى ما يمكن ،لكي يطول ذكرك ،وتتميز علامتك ،ولا تكتف بمركز متوسط منذ البداية ،فمن الناس من يبقى في الجذور ،ومنهم بالكاد يصل إلى الساق الرئيسية وهؤلاء هم العاديون جداً ،ومنهم من قد تراه في غصن وحيد قد سيطر عليه وكاد يذبل من ضعف الاهتمام بتحسينه ،فهذا بدأ مشروعاً ولم يكمله ،ومنهم من للتو توقف في غصن غض ،فهذا رأى أن ذلك آخر ما يستطيعه ،وهذا سبب لتتميز عنهم .
هل رأيت شجرة مربعة من قبل ،ليس معقولاً ،فشجرة الحياة تقدر المبدعين فيكونون في أعلاها فهم الأجدر لشق طريقها نحو الأفضل ،ولا تنزل الجذوع إلى الأسفل في العادة ،فمن يتجاوز الساق ويقف ،يكون أول درجة في نجاح آخرين ،ومن يتخطى تلك الخطوة يشعر بأنه أنجز كل شيئ فيتوقف في نصفها ،وهم الأغلبية الساحقة من الناس ،وهكذا تستمر الحياة …

 

أنس ماهر
25/6/2013 

Advertisements

3 أفكار على ”الظاهرة الشعرية

  1. حقيقةً مقال مؤثر وجميل

    وودت توضيح نقطة إن الصعاب والمواجهات حينما نتعمق في مضمونها وفي سبب وجودها نرى شيئ أشبه بمعجزة نرى الله في قلوبنا ..هو عز وجل أراد أن نتمعن في الصعاب وننظر إليها نظرة خاصة نعم أنا أتعلم لأنجح لأسمو لتزيد ثقافتي
    ☝والأهم لأععرف الله جيداً

    ووفقتم لكل خير

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s